في وداع شهر رمضان المبارك، يقف المؤمن على أعتاب لحظةٍ مهيبة، تختلط فيها مشاعر الشكر بالحسرة، والرجاء بالخشية. شهرٌ قال فيه النبي ﷺ:
«إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين»
فكان ميدانًا للرحمة الإلهية، وفرصةً لتزكية النفس، وموسمًا لا يُشبهه موسم.
وقد عبّر أهل البيت عليهم السلام عن عظمة هذا الشهر ومكانته، ففي دعاء وداع شهر رمضان المنسوب إلى الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية، يقول:
«السلام عليك يا شهر الله الأكبر، ويا عيد أوليائه… السلام عليك من شهرٍ قرُبت فيه الآمال، ونُشرت فيه الأعمال»
وهذا الوداع ليس مجرد كلمات، بل هو حالة وجدانية يعيشها المؤمن؛ إذ يشعر أنه يودّع أيامًا كانت أقرب ما يكون فيها إلى الله، وليالي كانت مضيئة بالقيام والدعاء.
وفي حديث عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام:
«إنّما سُمّي رمضان لأنه يَرمَض الذنوب»
أي يحرقها ويطهّر منها، فمن خرج منه ولم يُغفر له فقد خسر أعظم الفرص.
كيف لا يتحسّر المؤمن على فراقه؟
وقد عاش فيه ليالي مباركة، تزيّنت بقيام الليل، ودموع التوبة، وتلاوة القرآن…
ليالي كان فيها القلب أخفّ، والروح أقرب، والدعاء أصدق.
وكيف لا يحزن، وقد اجتمعت فيه لِمّة الأهل والأصدقاء على موائد الإفطار والسحور، في مشاهد مفعمة بالمحبة والدفء، تُحيي معاني الألفة والتراحم؟
تلك اللحظات البسيطة كانت تحمل في طياتها بركة عظيمة، كما قال النبي ﷺ:
«إنّ للصائم عند فطره دعوة لا تُرد»
وفي لحظة الوداع، يبقى الأمل حاضرًا، فنرفع أكفّنا بما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من الدعاء:
عن الإمام زين العابدين عليه السلام:
«اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه، فإن جعلته فاجعلني مرحوماً، ولا تجعلني محروماً»
وعن الإمام الصادق عليه السلام:
«اللهم إن كنت قد غفرت لنا فيما مضى من شهر رمضان فازدد لنا مغفرة، وإن لم تكن غفرت لنا فاغفر لنا فيما بقي منه»
فيا شهر رمضان…تمضي وتترك في القلب أثرًا لا يزول، وتُخلّف شوقًا يتجدد كل عام.
نسأل الله أن يتقبّل منا ومنكم، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يعيد علينا هذا الشهر أعوامًا عديدة ونحن في أحسن حال، أقرب إليه، وأثبت على طاعته.
اللهم تقبّل صيامنا وقيامنا، واكتبنا من الفائزين، ولا تحرمنا بركة ما مضى من أيامه ولياليه، واجعل ما بعده خيرًا لنا في ديننا ودنيانا.



