مجرد معرفة أم علم مدروس؟
كلام يقال أم فهم وإدراك؟
بين العلم والحب؟
ومايدور في داخل أجسامنا، رحلات كثيرة تحتاج إلى من يغوص في عمقها، وفيوضات تنتظر من يتعرف عليها.
بين الجسد والروح علاقةٌ صنعها الخالقُ عزَّ وجلَّ، وصُنعُ اللهِ لا يساويه شيءٌ، وتناغمُه مع الحياة لا يستطيع فنانو العالم تصوُّرَه ورسمَه في لوحاتٍ كما رُسِم في تلك الأجساد التي نلبسُها.
فهل تتهيَّأ هرموناتُ السعادةِ فينا لقدومِ شيءٍ ما، أو يومٍ ما، أو حدثٍ ما كشهرِ رمضان؟
علميًا، لا “تعلم” الهرمونات مسبقًا بقدوم الشهر، لكنها تستجيب بقوة للتغيرات السلوكية والاجتماعية التي نصنعها نحن. فالصيام، وتغيّر نمط النوم، والاجتماعات العائلية، والذكر والدعاء… كلها تؤثر في كيمياء الدماغ.
• السيروتونين يرتبط بتحسّن المزاج والشعور بالرضا، ويتأثر بالتعرض للضوء، والغذاء، والشعور بالانتماء الاجتماعي.
• الإندورفينات ترتفع مع الشعور بالإنجاز (كإتمام الصيام) ومع الضحك والتواصل.
• الميلاتونين ينظّم النوم، ويتأثر بسهر رمضان وقيام ليله.
• الأدرينالين ينشط مع الترقب والحركة، كحيوية ما قبل الإفطار.
الصيام بحد ذاته أظهر في دراسات طبية تأثيرًا إيجابيًا على التوازن النفسي وتنظيم بعض النواقل العصبية، لأنه يخفف الالتهاب، ويحسن حساسية الجسم للأنسولين، ويمنح الدماغ فترة إعادة ضبط أيضي. فالجسم لا “يستعد” معرفيًا، لكنه يتجاوب حين نغيّر إيقاع حياتنا.
لكن رمضان ليس مجرد تبدّل بيولوجي… إنه انقلاب وجداني.
موائد رمضان ليست طعامًا فقط، بل طقس انتماء. الاجتماع حول مائدة واحدة يعزز إفراز الأوكسيتوسين (هرمون الترابط)، فيمتزج مع السيروتونين، فيتكوّن ذلك الشعور الدافئ الذي نسميه طمأنينة.
ثم يبدأ المسار الروحي…
مع ساعات النهار، تتردد الأدعية المأثورة، ومنها ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في أدعية أيام الشهر، فتتجه النفس إلى التزكية والرجاء. هذا التوجّه التأملي العميق يخفض مستويات التوتر، ويمنح الجهاز العصبي حالة اتزان.
وعند الإفطار، يُقرأ دعاء الافتتاح المروي عن الإمام المهدي عليه السلام كما جاء في كتب الأدعية المعتمدة مثلمفاتيح الجنان**، وفيه:
“اللَّهُمَّ إِنِّي أَفْتَتِحُ الثَّنَاءَ بِحَمْدِكَ، وَأَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوَابِ بِمَنِّكَ…”
هذا الاستهلال بالحمد يعيد ترتيب المشاعر بعد يومٍ من الكفّ والانضباط، فيتحول الجوع إلى امتنان.
ومع امتداد الليل، يحضر دعاء أبي حمزة الثمالي، المروي عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، حيث يقول:
“إِلَهِي لَا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلَا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ…”
وفي موضع آخر منه:
“فَإِنْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ أَعْلَمْتُ أَهْلَهَا أَنِّي أُحِبُّكَ.”
هذا المزيج من الخوف والرجاء يُحدث في النفس حالة تطهير وجداني عميق؛ اعترافٌ يحرر، ودمعةٌ تغسل، وأملٌ يعيد البناء.
أما دعاء الجوشن الكبير، ففيه يتكرر النداء:
“يَا مَنْ اسْمُهُ دَوَاءٌ، وَذِكْرُهُ شِفَاءٌ…”
تكرار الأسماء الإلهية بهذا النسق الإيقاعي يمنح العقل حالة تركيز تأملي قريبة مما يسميه علماء الأعصاب “الانتباه المتناغم”، حيث يهدأ النشاط المفرط في مراكز القلق.
ثم يأتي السحر…
ساعة الصفاء الخالص، حيث يلتقي الميلاتونين بسكون الليل، وتتهيأ النفس لاستقبال يوم جديد. في لحظات السحور، يمتزج الجسد بالروح؛ غذاء خفيف للجسم، وغذاء أثقل للقلب.
وهكذا، في العلم هي تفاعلات كيميائية دقيقة…
وفي الحب هي رحمةٌ إلهية تتنزل على القلوب.
رمضان لا يصنع هرمونات جديدة، لكنه يصنع ظروفًا تجعل أفضل ما فينا يظهر: ضبط، وصبر، وامتنان، وتراحم. فيهدأ الأدرينالين، ويعتدل الإيقاع، ويعلو صوت القلب فوق ضجيج الحياة.
ربما لا “تعلم” أجسادنا بقدوم الشهر،
لكن أرواحنا تعرف…
فتستعد.



