في أعماق كثير من البشر، تتوارى مشاعر لا تجد طريقها إلى البوح، فتستقر في الداخل ككتلة صامتة من الحزن والغضب والخذلان. يخرج الإنسان إلى الناس بوجهٍ مطمئن، بابتسامةٍ متقنة، وكأن حياته خالية من المنغصات، بينما في داخله عاصفة لا تهدأ. هذه الازدواجية ليست تمثيلًا بقدر ما هي آلية دفاع، يحتمي بها الفرد من الانكشاف، أو من عجزه عن التعبير.
يعيش هذا الإنسان حالتين متناقضتين في آنٍ واحد؛ حالة ظاهرية تتسم بالاتزان والمرح، وأخرى داخلية تغلي بالألم. وما إن ينفرد بنفسه، حتى تتبدل الصورة؛ يعود إلى ذاته المثقلة، فتنهار الحواجز، ويبدأ الانغماس في دوامة من الحزن العميق، والقلق، والغضب المكتوم. إنها لحظة سقوط القناع، حيث لا جمهور ولا مجاملة، بل مواجهة مباشرة مع النفس.
في علم النفس، يُعرف هذا النمط بـ"الكبت الانفعالي" أو "القمع العاطفي"، وهو عملية لا واعية يقوم فيها الفرد بدفن مشاعره غير المقبولة أو المؤلمة. كما يرتبط أحيانًا بما يُسمى "الابتسامة الاكتئابية" أو "الاكتئاب المقنّع"، حيث يبدو الشخص طبيعيًا أو حتى سعيدًا، رغم معاناته الداخلية. وفي الأوساط الطبية، تُربط هذه الحالة باضطرابات القلق والاكتئاب، بل وقد تمتد آثارها إلى الجسد فيما يُعرف بالأمراض النفسجسدية.
فالجسد لا يصمت طويلًا أمام ما يُكتم في النفس؛ إذ تظهر الأعراض في صورة صداع مزمن، اضطرابات في النوم، آلام عضلية، أو حتى مشاكل في الجهاز الهضمي. أما الروح، فتتآكل ببطء تحت وطأة الإنكار المستمر، ويبهت الشعور بالمعنى، ويضعف الإحساس بالحياة. وعلى المستوى النفسي، يتفاقم الشعور بالوحدة، حتى وإن كان الشخص محاطًا بالآخرين.
وقد عبّر الأدب العربي عن هذه الحالة بصدقٍ بالغ، حيث قال الشاعر:
“وكم من ضاحكٍ والقلبُ يشكو
وكم من ساكتٍ والدمعُ يروي”
وفي موضع آخر، يصوّر أحد الأدباء هذه الازدواجية بقوله:
"أشدّ ما يُتعب الإنسان أن يحمل في داخله ما لا يستطيع البوح به، وأن يبتسم حين يكون في أشدّ الحاجة إلى البكاء."
إنها لوعة الإنكار؛ حين يرفض الإنسان الاعتراف بألمه، أو يؤجله، أو يقدّمه قربانًا لسعادة الآخرين. فيضحّي بذاته ليحافظ على صورةٍ يريدها المجتمع، أو ليحمي من حوله من قلقٍ لا يريد نقله إليهم. فيصبح مع الوقت غريبًا عن نفسه، يعيش دورًا لا يُشبهه، ويُرهق طاقته النفسية في التوفيق بين حقيقتين متناقضتين.
غير أن استمرار هذا النمط يهدد التوازن الداخلي، إذ لا يمكن للإنسان أن يستمر طويلًا في إنكار ذاته دون أن يدفع ثمنًا نفسيًا وجسديًا. فالمشاعر، مهما كُتمت، تبحث عن منفذ، وإن لم يُفتح لها باب التعبير، خرجت من نوافذ الألم.
إن الاعتراف بالمشاعر ليس ضعفًا، بل خطوة أولى نحو التعافي. فالتوازن لا يتحقق بإخفاء الألم، بل بفهمه والتعامل معه بوعي. وبين الضحك والبكاء، لا يحتاج الإنسان إلى قناعٍ إضافي، بل إلى مساحةٍ آمنة يكون فيها كما هو، بلا تصنّع ولا إنكار.




التعليقات 1
1 ping
غير معروف
2026-04-11 في 2:20 م[3] رابط التعليق
احسنت