مكتوبةٌ هي أقدارنا عند الله عز وجل في لوحٍ محفوظ، علمٌ أزليّ لا يتبدّل ولا يغيب، ولكن خلف هذا الغيب المحجوب ثمة قانون كوني إلهي يحكم تفاصيل يومنا ويُسيّر انعكاسات حياتنا، إنه قانون السعي؛ فالحياة ليست قوالب جامدة تُفرض علينا بلا سبب، بل هي مساحات شاسعة تحوم حولها نوايانا وأعمالنا، ليكون كل ناتجٍ نعيشه من ضحكةٍ صافية أو دمعةٍ حائرة، ومن انشراح صدرٍ أو ضيق نفس، صدىً مباشراً لما قدمته أيدينا ونطق به وجداننا في الخفاء والعلن. وعندما قرر القرآن الكريم في سورة النجم حقيقته الخالدة **﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾**، لم يكن التوجيه محصوراً في الجهد البدني الجاف، بل امتد ليشمل حركة الروح ونقاء السريرة في عمارة الأرض بالخير؛ فحين تسعى بالإحسان، يعود القدر إليك ثرّاً مكافئاً، كمن يمسح على رأس يتيم أو يطعم مسكيناً فيكافئه الله اللطيف بذرية صالحة مباركة تكون قرة عين له لأن الجزاء من جنس العمل، أو كمن يمشي في دروب الحياة بنية صافية لا تحمل غشاً ولا حقداً، فيسخر الله له أصحاب النيات السليمة والطيبة ويلوي عنه قلوب الماكرين، بل إن البسمة الصادقة في وجه عامل بسيط أرهقه الهجير، أو زيارة جارٍ متفقدٍ لأحواله، ترتفع في ميزان القدر لتتحول إلى بركة مشهودة في بيتك وزيادة في بر أبنائك بك، مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى في سورة الرحمن **﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾**.
وفي المقابل، فإن للزلل والخطأ انعكاساً دقيقاً في مرآة القدر، فالله سبحانه وتعالى رحيم بعباده لا يعاقبنا عِقاب تلويم وتعذيب، بل يرينا في آياته عدله الصارم الحكيم ليردنا إليه برفق وحكمة، فحين تصيبنا شوكة في طريقنا، أو عثرة مفاجئة، أو ضيق مجهول الأسباب، يجدر بالإنسان العاقل أن يقف وقفة محاسبة عميقة مع نفسه ليسأل: لماذا أصابتني هذه الشوكة اليوم؟ وقد لا يكون الذنب كبيراً أو حراماً ظاهراً، بل قد يكون ممارسة صغيرة في يومنا افتقرت للإنصاف والعدالة، أو دمعة نزلت من عين إنسان بسبب كلمة قاسية ألقيناها دون مبالاة، أو كذبة ظنناها بيضاء وتحايلنا بها، لتترتب الأقدار بعد ذلك ولو بعد حين، فتكشف لنا زللنا عبر عجزٍ عن تحقيق أمرٍ أردناه بشدة لتأديب كبريائنا، أو ابتلاءات عدة في حياتنا، وصولاً إلى أثمن ما نملك وهي راحة بالنا؛ هذا الضيق اليومي والزهق المفاجئ الذي يعتري المرء دون أن يدري ما الأمر، ليس إلا نتاجاً حتمياً لأعمالنا وأثر سعينا الخفي.
هذه الرؤية الإيمانية العميقة تلتقي تماماً مع ما توصل إليه كبار علماء وطب النفس والفلاسفة؛ إذ يتحدث الأطباء النفسيون عما يُعرف بتأثير الارتداد النفسي والسلوكي، مؤكدين أن الإنسان الذي يمارس الأذى أو الخداع ويعيش بنية ملوثة، يفرز عقله الباطن لا شعورياً مشاعر ذنب وقلق خفي تترجم جسدياً ونفسياً على شكل ضيق في الصدر وتوتر مستمر، بينما تطلق أعمال الإحسان هرمونات السعادة التي تمنح الإنسان سلاماً داخلياً يقيه الضيق النفسي، وهو ما عبر عنه الفيلسوف جلال الدين الرومي بقوله إن هذا العالم كالجبل وأفعالنا كالنداء والصدى يعود إلينا دائماً، فكل ما تفعله في هذا الكون سيرتد إليك حتماً. ويأتي الحسم في معركة الصدر بين الانشراح والضيق من القرآن الكريم، ليوضح تباين أحوال القلوب تلازماً مع السعي والنوايا، كما في قوله تعالى في سورة الأنعام **﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾**، وقوله في سورة طه حاسماً قضية الشقاء الدنيوي **﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾**، لتكون هذه المعيشة الضنك هي هذا الضيق والزهق اليومي، ولنعلم في الختام أن الله قدّر الأقدار وجعل مفاتيح حركتها بين يديك ومن خلال سعيك ونواياك، فاحذر الدمعة الخفية والخديعة المستترة، وتتبع خطى الإحسان، لتجد أن قدر الله يسوق لك الفرح والرزق وانشراح الصدر من حيث لا تحتسب، فـ **﴿أَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾**.



