هذا قلمٌ لم يكتب منذ زمن بعيد؛ فازدحمت في داخله الأفكار، وتشوشّت أمامه المعاني، وباتت الجمل عصيّة على أن تُكتب فتُقرأ، أو تُفيد، أو يستأنس بها قارئ عابر.
منذ زمنٍ وغرسُ حبره لا يثمر، وكيف يُجنى الثمر من أرضٍ لا حصاد لها؟ فالجفاف، حين يصيب القلم، لا يُيبس الحبر وحده، بل يجعل أوراق الكتابة تتكسّر بين يدي صاحبها، فلا يعرف من أين يبدأ، ولا كيف يبدأ.
هل يكتب عن العاطفة والحب، ليروي أوراقه حنانًا واحتواءً؟ أم يكتب عن التواصل، فتترابط كلماته ويخرج منها مقالٌ جميل يستمتع به قراؤه؟ ولربما يكتب عن الصراحة، فهي طريق الحقيقة، ومنها تستعيد الأوراق بياضها، وتغدو أكثر إشراقًا مما كانت عليه.
أم يكتب، كما اقترح عليه زملاؤه مرارًا، عن الاحتراق الوظيفي؟ لكنني أخشى أن يحترق مع الكتابة حبر قلمي، فأفقده، ولا أجد بعده حبرًا يسيل ليواسي دموع الناس وآلامهم، أو يواسيني.
لذلك قررت أن أفرغ حمولة هذا القلم الذي طال صمته؛ حمولةً مزدحمة بالأفكار والرؤى والأسئلة، لكنني سأنزلها واحدةً تلو الأخرى. وأول ما سأضعه أمامكم هو حمولة الإيمان.
نعم، سأكتب عن الإيمان.
ليس الإيمان بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر فحسب، بل الإيمان بمعناه الأوسع؛ بدءًا من إيمان الإنسان بنفسه وحقه في الوجود، وصولًا إلى إيمانه بحق حشرة صغيرة تسكن زاويةً من زوايا بيته في أن تعيش.
فالإيمان، حين نفهمه حق الفهم، يقودنا إلى القناعة، والقناعة قد تبلغ بنا الرضا والسكينة. لكنه قد يقودنا أيضًا إلى الشقاء والتعاسة، حين نمنحه لفكرة لا تستحقه، أو نؤمن بعكس ما كان ينبغي لنا الإيمان به.
إن الإيمان موقفٌ وجودي يحدد الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والعالم ومعنى الحياة. وهو قوة عميقة تُبنى عليها المبادئ والقيم والمواقف؛ لأن الإنسان حين يؤمن بفكرة، أو دين، أو شخص، أو قضية، فإنه يمنحها مساحةً واسعة داخل عقله ووجدانه، فتغدو مفتاحًا لتفسير الأحداث، وتبرير المواقف، وتحليل الظواهر، والإجابة عن التساؤلات.
والإيمان الناضج يحرّر الإنسان من وهم السيطرة المطلقة؛ فيعلّمه أن يبذل جهده دون أن يتوهّم امتلاك نتائج كل شيء، وأن يواجه الألم دون أن يراه نهايةً للمعنى، وأن يعترف بضعفه دون أن يفقد كرامته. وهو الذي يمنحه القدرة على تجاوز المحن بعد فهمها، لا بمجرد إنكارها أو الهروب منها.
لكن الإيمان ليس دائمًا نورًا يقود صاحبه إلى الهدوء والسكينة؛ فقد يؤمن الإنسان بفكرة مضللة، أو يتبع شخصًا شريرًا، أو يناصر ظالمًا يزيّن له الباطل حتى يراه حقًا. وقد يعتنق أفكارًا سلبية، ثم يمضي خلفها متجاهلًا آثارها وتبعاتها، حتى يجد نفسه غارقًا في ظلماتٍ صنعها إيمانه بيديه.
لذلك لا تكمن قيمة الإيمان في شدته وحدها، بل في حقيقة ما نؤمن به، وفي الأثر الذي يتركه في نفوسنا وحياة من حولنا. فالإيمان قد يرفع الإنسان إلى أعلى مراتب الوعي والطمأنينة، وقد يهوي به حين يمنحه لما لا يستحق.
وربما لا يكون أشد ما يُرهق أرواحنا ضعف إيماننا، بل إيماننا العميق بالشيء الخطأ.
وعن حمولة قلمي القادمة أسألني……



