ما زال في هذا القلم متسعٌ لحمولات أخرى، فما إن أفرغ شيئًا مما أثقله، حتى يكتشف أن في أعماقه حديثًا جديدًا ينتظر أن يُكتب. كانت حمولته الأولى عن الإيمان؛ ذلك النور الذي يعيد للإنسان توازنه كلما أرهقته الحياة، أما حمولته الثانية فتتجه نحو الإنسان نفسه، إلى ذلك الكائن الذي يعرف أسماء الآخرين وطباعهم وحكاياتهم، لكنه قد يمضي عمرًا كاملًا دون أن يتوقف ليسأل ذاته: هل أعرف نفسي حقًا؟
نولد في هذه الحياة لأبوين لا نعرف كيف وجدنا، إلا أن رعايتهما تحيط بأيامنا وما تحمله من أحداث. ثم نكبر، ونرى أنفسنا بشرًا كبقية الناس؛ نأكل ونشرب، نحب ونكره، نضحك ونبكي، نتعب ونرتاح، وندرس، ثم نعمل، ثم نتزوج، وننجب أطفالًا لتتكرر معهم، بصورة أو بأخرى، الرحلة نفسها التي مررنا بها في سالف الأيام والسنين.
إنها رحلة تشبه القطار السريع الذي لا يتوقف إلا عند محطات محددة، وكذلك حياتنا؛ مليئة بمحطات نقف عندها قليلًا، ثم نتابع المسير. ومع كل محطة قد يراودنا سؤال: هل ما زلنا نحن أنفسنا؟ أم أننا تغيرنا؟ وهل نمضي في طريقنا كما كنا، أم نتوقف قليلًا لنستعيد شيئًا مما فقدناه في زحام الحياة؟
لكننا، في الغالب، لا نطرح هذا السؤال على أنفسنا. فمن الطبيعي أن تكبر أجسادنا، وأن تنضج عقولنا، وتتغير أحلامنا وطموحاتنا ومواقفنا. ومن الطبيعي أيضًا أن نختلف؛ فكل مرحلة من مراحل الحياة تترك أثرًا فينا، حتى لا نعود النسخة نفسها التي كنا عليها في السابق.
فكم منا يستطيع أن يجيب بصدق عندما يُسأل: هل تعرف نفسك؟
غالبًا ما تكون إجاباتنا مرتبطة بأسمائنا، أو انتماءاتنا إلى أسرنا وأوطاننا، أو بمؤهلاتنا، وإنجازاتنا، وطموحاتنا، ومواهبنا. ولكن، هل تكفي هذه الإجابات لمعرفة النفس حقًا؟ وهل تصف حقيقتنا أم مجرد عناويننا؟
سيجيب بعضهم بنعم، بينما يرى آخرون أن الأمر أعمق من ذلك.
وقد اختلف العلماء في بيان العلاقة بين النفس والروح، لكن القرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى عظمة هذا الأمر حين يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. وهذه الآية تذكرنا بأن هناك أمورًا من عالم الغيب استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يحيط الإنسان بحقيقتها الكاملة.
أما الحديث الشريف فعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من عرف نفسه عرف ربه"، فإن معناها يدعو إلى التأمل؛ فكلما ازداد الإنسان معرفة بضعفه وحدوده، ازداد إدراكًا لعظمة خالقه وكماله.
ومعرفة النفس لا تعني الاكتفاء بوصفها وصفًا ظاهريًا، وإنما تعني الغوص في حقيقتها، والتأمل في خلق الله تعالى، وفي هذا الجسد العجيب الذي نحياه.
فعندما نتأمل الخلية، وهي وحدة بناء الجسم، ندرك جانبًا من عظمة الخلق. تلك الخلية التي لا تراها أعيننا المجردة، لكننا آمنا بوجودها لأن العلم كشفها لنا، بعد أن اخترع الإنسان العدسات المكبرة والمجهر، فأصبح يرى ما كان خفيًا عنه.
وحين أرسم الخلية لطالباتي، وأشرح لهن مكوناتها ووظيفة كل جزء فيها، أشعر بعظيم الامتنان لله تعالى، وأزداد يقينًا بعظمة خلقه. فكلما تعمق الإنسان في العلم، ازداد معرفة بربه، ورأى في كل خلية آية من آيات الإبداع الإلهي.
فالخلية هي وحدة بناء الجسم، والجسم هو الوعاء الذي يعيش فيه الإنسان، وكلما ازددنا معرفة بأسرار هذا الخلق، ازددنا إيمانًا بعظمة الخالق سبحانه وتعالى، وإن كنا لا نراه بأعيننا.
وعندما تقف أمام المرآة، فإنك لا ترى إلا ملامحك الخارجية، لكن لو أطلت النظر قليلًا، وتأملت أكثر، فقد تكتشف في كل يوم شيئًا جديدًا عن نفسك لم تلحظه من قبل. وليس المقصود ملامح الوجه وحدها، بل ذلك الحوار الصامت الذي يدور بين الإنسان وذاته، حين يواجه نفسه بصدق.
وتشير بعض الدراسات النفسية إلى أن إطالة النظر في المرآة قد تؤثر في نظرة الإنسان إلى ذاته؛ فقد تزيد من القلق وعدم الرضا عن المظهر لدى بعض الأشخاص، ولا سيما من يعانون اضطراب تشوه صورة الجسد، بينما قد تعزز الثقة بالنفس لدى آخرين قبل مواجهة المواقف المهمة.
ولكن، ماذا لو تجاوزنا المظهر الخارجي، وتعمقنا في الذات؟ ماذا لو جعلنا المرآة وسيلة للتأمل، لا للحكم على الشكل فقط؟
جرب أن تقف أمام مرآتك، واسأل نفسك: من أنا؟ ثم انطق اسمك كاملًا، واسأل مرة أخرى: هل أنا حقًا هذا الاسم فقط؟ أم أنني قيم، ورسالة، وتجارب، وإيمان، وأحلام، ومواقف صنعت هويتي؟
أنصت إلى ما يدور في داخلك، ثم تأمل الطريق الذي تسير فيه. إلى أين تمضي بك الحياة؟ وما الغاية التي تسعى إليها؟
فربما كانت معرفة النفس ليست أن تجد جميع الإجابات، بل أن تظل تطرح الأسئلة الصحيحة، وتسير في رحلة البحث عن ذاتك، حتى تقودك تلك الرحلة إلى معرفة خالقك، وإدراك الحكمة من وجودك في هذه الحياة.



