ليست الأنوثة ملامح جميلة فحسب، ولا ثوبًا أنيقًا، ولا حضورًا يستجلب أنظار الآخرين. إنها في الرؤية الإسلامية بناء إنساني وأخلاقي أعمق، تجتمع فيه الكرامة والحياء والعفة والرحمة والرقة والسكينة، من غير أن تتعارض هذه الصفات مع قوة المرأة وعلمها ونجاحها وحضورها في المجتمع.
ومن هنا تبدأ المشكلة حين تُختزل قيمة المرأة في صورتها وجسدها، وحين يصبح مقدار الالتفات إليها مقياسًا لجمالها وقيمتها؛ لأن المرأة عندئذ تنتقل، من حيث تشعر أو لا تشعر، من سؤال: من أنا؟ إلى سؤال أكثر قسوة: كيف يراني الآخرون؟
الحياء.. قوة لا انكماش
يقدم القرآن الكريم صورة شديدة الدلالة في قصة ابنة شعيب، إذ يقول تعالى:
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25].
فالفتاة خرجت من بيتها، والتقت موسى عليه السلام، وتحدثت إليه، وأدت المهمة التي خرجت من أجلها؛ لكن القرآن اختار أن يخلّد في وصفها كلمة واحدة: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
وهذا يعني أن الحياء في المنظور القرآني لا يعني إلغاء حضور المرأة أو عزلها عن الحياة، وإنما يعني أن تتحرك في الحياة وهي محتفظة بحدودها وكرامتها.
وهذا المعنى يتسق مع ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا إيمان لمن لا حياء له».[1]
فالحياء ليس ضعفًا في الشخصية، وإنما رقابة أخلاقية داخلية تمنع الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، من أن يسترخص نفسه أو يتجاوز حدود كرامته.
حين يصبح الإعجاب حاجة
لعل من أخطر التحولات في ثقافة الصورة المعاصرة أن يصبح إعجاب الآخرين مصدرًا لتقدير الإنسان لذاته.
فالفتاة التي لا تشعر بجمالها إلا إذا قيل لها إنها جميلة، ولا تطمئن إلى قيمتها إلا بعدد المشاهدات والإعجابات، تصبح أكثر عرضة لأن تعيش أسيرة نظرة الآخرين.
وهنا ينبغي أن نقول لبناتنا بوضوح:
أنتن أغلى من أن تنتظر إحداكن نظرة رجل حتى تعرف أنها جميلة، وأثمن من أن تقيس قيمتها بعدد الإعجابات، وأكبر من أن يتحول جسدها إلى بطاقة تعريف بها.
لقد سبق التكريم الإلهي كل تقييم بشري، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
إنها كرامة الإنسان بما هو إنسان، لا بما يملكه من مقاييس الجمال المتغيرة.
العفة ليست عجزًا
ومن أجمل ما يضيء مفهوم العفة قول أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجرًا ممن قدر فعفَّ، لكاد العفيف أن يكون ملكًا من الملائكة».[2]
والكلمة المفتاحية هنا هي: «قدر فعفَّ».
فالعفة ليست أن يعجز الإنسان عن الخطأ، وإنما أن يمتلك القدرة والفرصة، ثم يمتنع لأن في داخله إيمانًا وحياءً وكرامة.
إنها قوة لا تراها الكاميرات، ولا تقيسها أرقام المتابعين.
الأنوثة في مراحل العمر
والأنوثة بهذا المعنى لا تنتهي بانتهاء الشباب؛ بل تتخذ في حياة المرأة صورًا متعددة.
نراها في البنت التي تدخل الحياة بثقة وعفة، فلا تتسول قيمتها من أعين الآخرين.
ونراها في الأخت التي تضيف إلى أسرتها الحنان واللطف.
ونراها في الأم حين يتحول حضنها إلى مساحة أمان يلجأ إليها أبناؤها عندما تقسو عليهم الحياة.
ونراها في الزوجة حين تتحقق فيها ومع زوجها فلسفة السكن التي عبّر عنها القرآن بقوله:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فالزواج في منطقه القرآني ليس علاقة خدمة من طرف واحد، وإنما سكن متبادل ومودة ورحمة؛ تكون فيه المرأة أمانًا لزوجها، ويكون هو أمانًا لها، وتحفظ كرامته كما يحفظ كرامتها.
ثم نرى الأنوثة في الجدة حين يشيب الشعر ولا تشيخ الرحمة، وحين يصبح حضورها في الأسرة ذاكرةً وحكمةً وسكينة.
فالأنوثة الحقيقية لا تهزمها التجاعيد؛ لأن مصدرها لم يكن الوجه وحده حتى يذهب بذهابه الشباب.
لا تلوموا المرأة وحدها
ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نضع مسؤولية تراجع قيم الحياء والعفة على المرأة وحدها.
فالذي يجرح أنوثة الفتاة قد يكون أبًا لم يمنح ابنته ما تحتاج إليه من الحنان والتقدير، أو زوجًا لا يشعر زوجته بأنها محل حب واحترام، أو إعلامًا يختزل المرأة في جسد، أو مجتمعًا يرفع شعارات العفة ثم يكافئ الاستعراض بالشهرة والاهتمام.
فلا يصح أن نسأل الفتاة: لماذا تبحثين في الخارج عن كلمة جميلة؟ قبل أن نسأل أنفسنا: هل سمعتها بما يكفي في بيتها؟
إن صناعة العفة مسؤولية تربوية واجتماعية مشتركة، وليست تكليفًا يلقى على كتف المرأة وحدها.
لا تدفعي ثمن نجاحك من حيائك
ولا يعني الحديث عن الحياء والعفة أن تنسحب المرأة من الحياة.
على العكس؛ نريدها متعلمة، واعية، ناجحة، قوية، منتجة، صاحبة رأي وإنجاز وحضور اجتماعي.
ولكن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل فتاة هي:
لا تدفعي ثمن نجاحك من حيائك، ولا ثمن حضورك من عفتك، ولا ثمن الجمال من كرامتك.
فالستر لا يعني إخفاء المرأة، وإنما يعني أن جسدها ليس مساحة عامة للآخرين.
وأجمل ما في المرأة أشياء لا تستطيع عدسات الكاميرا تصويرها: حياء الفتاة، وحنان الأم، ووفاء الزوجة، ورحمة الأخت، وحكمة الجدة، وكرامة الإنسانة في جميع مراحل حياتها.
قد تستطيع صناعة التجميل أن تمنح العالم آلاف الوجوه الجميلة، ولكنها لن تستطيع أن تصنع حياء فتاة، ولا حنان أم، ولا وفاء زوجة، ولا حكمة جدة.
هذه القيم لا تُشترى...
إنها تُربّى في الروح.
ولعل الخطر الحقيقي ليس أن تفقد المرأة شيئًا من جمال وجهها مع مرور السنين؛ فذلك قانون الحياة، وإنما أن يقنعها عصر الصورة بأن جمال الوجه هو كل ما تملك، فتقضي عمرها أمام المرآة تبحث عن نفسها، بينما كانت أجمل الأشياء فيها تقف خلف المرآة ولا تراها.
والحمد لله رب العالمين.
المصادر:
[1] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب الحياء.
[2] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة 474.



