**حوار تخيلي مع صاحب مقال «تقديس الرموز الدينية بين الاحترام وتعطيل العقل»
ليستفيد المؤمنين والمؤمنات
الكاتب:
إن احترام العلماء أمر محمود، ولكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاحترام إلى تقديس يمنع السؤال والنقد، ويجعل أقوال العلماء فوق المراجعة.
الجواب بسمه تعالى:
أتفق معك في رفض الغلو والتعصب، ولكن اسمح لي أن أسألك: هل كل تعظيم للعالم تقديس مذموم؟ وهل الرجوع إلى الفقيه الجامع للشرائط يعني تعطيل العقل؟
إننا بحاجة إلى التمييز بين ثلاثة أمور: **العصمة، والحجية الشرعية، والحرمة الدينية**.
فالمرجع ليس معصومًا، ولكن عدم عصمته لا يسقط حجية فتواه في حق من قامت عنده الحجة على تقليده، ولا يبيح انتهاك حرمته.
الكاتب:
ولكن القرآن يحذر من الاتباع الأعمى، يقول تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (الأحزاب: ٦٧).
الجواب:
أحسنت الاستشهاد، ولكن هل الآية تذم مطلق الرجوع إلى أهل العلم، أم الطاعة التي تقود إلى الضلال؟
إن العقل الذي يرفض الاتباع الأعمى هو نفسه الذي يحكم برجوع غير المتخصص إلى أهل الاختصاص. فكما لا يُطالب المريض بأن يصبح طبيبًا قبل قبول العلاج، لا يُطالب كل مكلف بأن يبلغ مرتبة الاجتهاد ليعرف وظيفته الشرعية.
وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
وإن كانت دلالة الآية على حجية الفتوى محل بحث أصولي، فإنها تؤكد مكانة التفقه والتعلم والإنذار الديني.
الكاتب:
ألا ترى أن بعض المؤمنين يعتبرون مجرد نقد المرجع اعتداءً على الدين؟
الجواب:
بلى، وقد يقع هذا الخلط عند بعض المحبين، وهو سلوك لا ينبغي الدفاع عنه. ولكن دعني أسألك: هل كل من يرفع شعار النقد يمارس نقدًا علميًّا؟
هناك فرق بين باحث يناقش رأيًا فقهيًّا بأدلته، وبين شخص يتهم مرجعًا في نزاهته أو مقاصده دون بينة.
وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي ، إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي ، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره» [١].
لاحظ قوله: **«بحقٍّ» و«بعدل»**؛ فليس كل كلام نقدًا منصفًا، كما أن كل اختلاف ليس إساءة.
الكاتب:
لكن العلماء بشر يخطئون، ولا يجوز أن نجعل مكانتهم مانعًا من محاسبتهم.
الجواب:
كلام صحيح، غير أن احتمال الخطأ شيء، وإسقاط الاعتبار العلمي شيء آخر.
إن العالم قد يخطئ في اجتهاده، ولكن مناقشة اجتهاده تحتاج إلى معرفة بأدوات الاستنباط، كما أن الاعتراض على تشخيص الطبيب لا يجعل غير المتخصص مساويًا له في الخبرة.
ثم إن علينا التمييز بين المرجع نفسه، ومكتبه، ووكلائه، ومحبيه؛ فلا يُنسب إليه كل تصرف يصدر عن أحد المنتسبين إليه، كما لا يجوز أن تحمي مكانته تجاوزًا ثبت صدوره من غيره.
الكاتب:
ولكن ألا ترى أن المبالغة في تعظيم العلماء قد تجعل الناس يرفعونهم فوق منزلتهم الحقيقية؟
الجواب:
نعم، فالغلو مرفوض، ولكن علينا ألا نعالج الغلو بالتفريط في مقام العلماء؛ فقد بيّن أهل البيت (عليهم السلام) عظيم منزلة العلماء الذين يحرسون عقائد المؤمنين ويذبّون عن دينهم.
فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلّط عليهم إبليس وشيعته النواصب» [٢].
تأمل هذا التعبير: «مرابطون في الثغر»؛ فكما يحرس المرابط حدود الأوطان، يحرس العالم الرباني ثغور العقيدة، ويدفع الشبهات عن المؤمنين.
ولكن لاحظ أن الرواية جعلت ملاك هذه المنزلة العلم والدفاع عن الدين، لا مجرد الألقاب والعمائم والمناصب.
فهل يكون من الإنصاف أن نطالب باحترام حارس حدود الوطن، ثم نستخف بمن أفنى عمره في حماية عقائد الناس وهدايتهم؟
إن احترام المرجعية ليس تقديسًا للأشخاص، بل تقدير للعلم والمسؤولية التي يحملها العلماء، دون أن نمنحهم العصمة أو نمنع مناقشة آرائهم.
الكاتب:
وماذا عن مراجع الطائفة أليس من حق الناس مناقشة مواقفه؟
الجواب :
بالتأكيد، لا نقول بعصمتهم، ولا نجعل اجتهاداتهم بمنزلة الوحي. ولكننا في الوقت نفسه لا نقبل أن تتحول حرية النقد إلى وسيلة للنيل من مكانتهم العلمية أو التشكيك في نزاهتهم دون دليل.
إن الدفاع عن سماحتهم ينبغي أن يقوم على سيرته العلمية ومواقفه الموثقة، لا على عاطفة المحبين وحدها.
وليس من الإنصاف أن نمحو مكانة عالم وجهوده الممتدة لمجرد اختلافنا معه في تقدير موقف أو فهم مسألة.
الكاتب:
أخشى أن يتحول تعظيم المرجعية إلى حاجز بين الإنسان وعقله.
الجواب:
وأنا أخشى أن تتحول الدعوة إلى تحرير العقل إلى ذريعة لهدم الثقة بأهل الاختصاص!
فالعقل ليس خصمًا للمرجعية العلمية، بل هو الذي يرشد إلى ضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة، مع التثبت من أهليتهم ومعرفة حدود حجية أقوالهم.
ثم إنني أسألك: لماذا نتحدث مطولًا عن خطر تقديس العلماء، ولا نتحدث بالقدر نفسه عن خطر تسقيطهم في زمن تنتشر فيه الاتهامات والشائعات؟
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦).
فالتثبت واجب في الأخبار والاتهامات، ولا سيما حين تمس أعراض الناس وسمعتهم.
إن الموضوعية تقتضي أن نحذر من الغلو والتسقيط معًا، لا أن نعالج أحدهما بالوقوع في الآخر.
الكاتب:
إذن أنت لا ترفض النقد، وإنما تريد أن تكون له ضوابط؟
الجواب:
بل أعد النقد العلمي المنصف ضرورة لحيوية المعرفة الدينية، لكنني أرفض أن تختلط حرية السؤال بحرية الاتهام.
فالمرجعية لا تحتاج إلى من يمنحها العصمة، ولا إلى من يمنع الناس من السؤال عنها، وإنما تحتاج إلى مجتمع يعرف قيمة العلم، ويحفظ حرمة العلماء، ويميز بين الحجة والشائعة.
الكاتب:
وما الكلمة التي تختصر بها موقفك؟
الجواب:
أقول لك وللقارئ الكريم:
**لا نقدّس المرجع تقديس المعصوم، ولا نسقط حرمته بحجة أنه غير معصوم. ولا نعطّل عقولنا احترامًا للعلماء، ولا نهدم مكانة العلماء باسم تحرير العقول.
فالحق فوق الأشخاص، ولكن ذلك لا يعني أن يصبح كل شخص مؤهلًا للحكم في كل اختصاص، أو أن تكون أعراض العلماء مباحة لكل متحدث.
**إن المرجعية الواعية لا تخشى السؤال العلمي، والعقل المنصف لا يستبيح حرمة العلماء. وبينهما تُبنى الثقة على الدليل والبصيرة، لا على الغلو أو التسقيط.
والحمد لله رب العالمين.
المصادر والشواهد
[١] شرح الكافي، الملا صالح المازندراني، ج١٢، ص٤٥٠.
[٢] الاحتجاج، الطبرسي، أحمد بن علي، ، ج٢، ص١٥٥.



