لا تكتمل قيمة العلم بما يضيفه إلى ذاكرة الإنسان من معلومات، بل بما يصنعه في عقله من بصيرة، وفي سلوكه من استقامة، وفي علاقته بالآخرين من احترام وإنصاف. ومن هنا، تحتلّ العلاقة بين المعلّم والمتعلّم مكانة رفيعة في التربية الإسلامية؛ فهي علاقة بناء تتجاوز حدود الدرس والكتاب، لتسهم في تشكيل الشخصية وصناعة الوعي. وفي النصّ المرويّ عن الإمام زين العابدين عليه السلام حول حقّ سائس الإنسان بالعلم، تتجلّى رؤية تربوية تجعل أدب التعلّم جزءًا من حقيقته، وتربط تحصيل المعرفة بتهذيب النفس وإخلاص النيّة.
حقُّ المعلِّم: توقيرٌ للعلم ووفاءٌ لحامِلِه
عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : حَقُّ سائِسِكَ بِالعِلمِ التَّعظيمُ لَهُ والتَّوقيرُ لِمَجلِسِهِ وحُسنُ الاِستِماعِ إلَيهِ والإِقبالُ عَلَيهِ ، وأن لا تَرفَعَ عَلَيهِ صَوتَكَ ، ولا تُجيبَ أحَدًا يَسأَلُهُ عَن شَيء حَتّى يَكونَ هُوَ الَّذي يُجيبُ ، ولا تُحَدِّثَ في مَجلِسِهِ أحَدًا ، ولا تَغتابَ عِندَهُ أحَدًا ، وأن تَدفَعَ عَنهُ إذا ذُكِرَ عِندَكَ بِسوء ، وأن تَستُرَ عُيوبَهُ وتُظهِرَ مَناقِبَهُ ، ولا تُجالِسَ لَهُ عَدُوًّا ولا تُعادِيَ لَهُ وَلِيًّا ، فَإِذا فَعَلتَ ذلِكَ شَهِدَت لَكَ مَلائِكَةُ اللهِ عزّ وجلّ بِأَنَّكَ قَصَدتَهُ ، وتَعَلَّمتَ عِلمَهُ للهِِ جَلَّ وَعَزَّ اسمُهُ لا لِلنّاسِ .[١]
المعلّم مؤتمن على تنمية العقول:
يفتتح الإمام عليه السلام هذا الحقّ بقوله: «حَقُّ سائِسِكَ بِالعِلمِ التَّعظيمُ لَهُ». ويحمل هذا التعبير معنى يتجاوز مجرّد نقل المعلومات؛ فالمعلّم يتعهّد عقل المتعلّم بالرعاية، ويساعده على ترتيب أفكاره، ويفتح أمامه أبواب الفهم، ويأخذ بيده من الحيرة إلى المعرفة. وقد يبذل في تصحيح فكرة واحدة جهدًا لا يراه الطالب، ويمنحه من خبرته ما اختصرته سنوات من البحث والتجربة. لذلك يكون تعظيمه اعترافًا بفضله، وتقديرًا للرسالة التي يحملها، وشكرًا لمن أسهم في بناء الإنسان من الداخل، ومنحه أدوات النظر والتفكير.
توقير المجلس وحضور القلب:
يقرن الإمام تعظيم المعلّم بـ«التَّوقيرِ لِمَجلِسِهِ وحُسنِ الاِستِماعِ إلَيهِ والإِقبالِ عَلَيهِ». وهذه آداب تكشف أن الانتفاع بالعلم يحتاج إلى حضور القلب كما يحتاج إلى حضور الجسد. فقد يجلس الإنسان في مقدّمة المجلس، بينما يشرد ذهنه بعيدًا عمّا يُقال، فيفوته المعنى وتضعف ثمرة حضوره. أمّا حسن الاستماع، فيبدأ من الرغبة الصادقة في الفهم، ويظهر في الانتباه، وترك الانشغال، والتريّث قبل الحكم. وفي زمان تتزاحم فيه الشاشات والتنبيهات، يصبح إغلاق الهاتف أو إسكات إشعاراته صورة عملية من توقير مجلس العلم وصيانة حقّ الحاضرين.
أدب السؤال والمشاركة:
ومن وصايا الإمام عليه السلام ألّا يرفع المتعلّم صوته على معلّمه، وألّا يجيب السائل قبل أن يجيب المعلّم. وفي ذلك تربية للنفس على ضبط اندفاعها، واحترام أدوار الحديث، وتقديم الفهم على الرغبة في الظهور. فكم من نقاش ضاعت فائدته بسبب المقاطعة، وكم من سؤال انحرف عن مقصده حين تحوّل إلى منافسة على الكلام. ويستطيع الطالب أن يسأل ويناقش ويستوضح بأدب، وأن يعرض ما يشكل عليه بعبارة هادئة وحجّة واضحة. فالاحترام يمنح الحوار اتزانه، ويجعل الاختلاف فرصة للتعلّم، ويحفظ للمعلّم والطالب كرامتهما معًا.
مجلس العلم أمانة مشتركة:
ويقول الإمام عليه السلام: «ولا تُحَدِّثَ في مَجلِسِهِ أحَدًا، ولا تَغتابَ عِندَهُ أحَدًا». فالحديث الجانبي يشتّت المعلّم، ويقطع متابعة المستمعين، ويستهلك وقتًا اجتمع الجميع للانتفاع به. وأمّا الغيبة، فتُدخل إلى مجلس المعرفة ما يفسد صفاءه ويجرح كرامة الغائبين. وبذلك تتّسع مسؤولية الطالب لتشمل المحافظة على بيئة التعلّم، بما فيها من هدوء واحترام ونزاهة. وهذه المسؤولية حاضرة في المدرسة والجامعة، وفي المحاضرة الدينية، وفي حلقات التدريب والاجتماعات العلمية؛ فكلّ موضع يُبذل فيه العلم يستحقّ أن تُصان حرمته، وأن يُحفظ وقت أهله.
الوفاء في الغياب وإظهار المناقب:
ثمّ ينتقل النصّ إلى امتحان أعمق للوفاء: «وأن تَدفَعَ عَنهُ إذا ذُكِرَ عِندَكَ بِسوء». فقد يسهل إظهار الاحترام أمام المعلّم، لكن صدق التقدير يظهر حين يغيب، فلا يجد من يدافع عن حقّه إلّا ضمير من عرف فضله. ويكون الدفاع عنه بردّ الافتراء، وتصحيح المعلومة، ورفض السخرية والتجريح. كما أنّ ستر عيوبه وإظهار مناقبه يربّيان المتعلّم على العدل؛ فلا تختزل هفوة عارضة تاريخًا من العطاء. ويبقى النقد العلمي والنصح الأمين قائمين على التثبّت وحسن العبارة، مع تجنّب التشهير، وحفظ الحقوق، وعدم اتخاذ الوفاء ذريعة لتبرير الظلم أو إخفاء الضرر.
صيانة المودّة من الخصومات:
وفي قوله عليه السلام: «ولا تُجالِسَ لَهُ عَدُوًّا ولا تُعادِيَ لَهُ وَلِيًّا» تنبيه إلى صيانة رابطة التعلّم من العبث والخصومات. ومن المعاني التربوية التي يُستفاد منها ألّا يجعل الطالب علاقاته بابًا للمشاركة في الانتقاص من معلّمه، أو نقل أسراره، أو الإسهام في إيذائه. كما يقتضي الوفاء تجنّب الإساءة إلى أهل مودّته بدافع الحسد أو المنافسة. وتظلّ العدالة ميزان العلاقات؛ فيحفظ المتعلّم جميل أستاذه، ويزن المواقف بإنصاف، ويبتعد عن التعصّب الذي يحوّل المحبّة إلى خصومة عمياء. فالتربية الرفيعة تُنضج الولاء للخير، وتمنع الأهواء من إفساد المودّة.
إخلاص النيّة روح التعلّم:
ويبلغ النصّ ذروته حين يربط هذه الآداب بصدق القصد، وأن يكون تعلّم العلم لله عزّ وجلّ. فالأدب يكشف عن نفس جاءت لتنتفع وتنفع، وتطلب الحقيقة بعيدًا عن التفاخر واستجلاب إعجاب الناس. ومن أخلص نيّته هان عليه أن يقول: لا أعلم، وأن يقبل التصحيح، وأن يعترف بفضل من علّمه. كما يدفعه إخلاصه إلى تحويل معرفته إلى خدمة؛ فيرحم بها مريضًا، ويرشد حائرًا، ويعلّم جاهلًا، ويؤدّي عمله بأمانة. وهكذا تتجاوز ثمرة الدرس صاحبه، لتصل إلى أسرته ومجتمعه، ويصبح العلم أثرًا نافعًا يتجدّد مع كلّ عمل صالح.
وفاء يبقى بعد انتهاء الدرس:
إنّ حقّ المعلّم يمتدّ إلى ما بعد انتهاء الدراسة، حين يبقى أثره في طريقة التفكير، ودقّة العمل، وحسن التعامل. وقد تعبّر عنه كلمة شكر، أو دعوة صادقة، أو ذكر جميل أمام الأبناء والطلاب، أو مواصلة الرسالة بإحسان. وما أجمل أن يرى المعلّم في تلميذه علمًا نافعًا وخُلقًا كريمًا؛ فتلك ثمرة جهده وأصدق صور تكريمه. وبقدر ما نحفظ لمعلّمينا مكانتهم، نغرس في الأجيال تقدير المعرفة وأهلها، ونؤسّس لمجتمع يعرف الفضل، ويصون الكرامة، ويجعل الأدب رفيقًا دائمًا للعلم.
هوامش:
[١] موسوعة العقائد الإسلامية، ج ٢، محمد الريشهري، ص ٤٥٩، أئمتنا عباد الرحمان، ج 2، سعيد أبو معاش، ص 195



