في زحمة الحياة وكثرة مشاغلها، يحتاج الإنسان إلى أوقات يعود فيها إلى نفسه، ويجدّد صلته بربّه، ويمنح قلبه نصيبًا من السكينة. وتأتي ليلة الجمعة ويومها فرصةً لهذه العودة، حيث يجتمع الدعاء والذكر وتلاوة القرآن، فتُعمر الساعات بما يوقظ الروح ويقوّي الإيمان.
وللقرآن الكريم مكانة أساسية في هذه الصلة؛ فهو كتاب الهداية الذي ينير للإنسان طريقه، ويذكّره بمسؤوليته، ويفتح أمامه أبواب الرجاء. وقد وردت روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) تحثّ على قراءة سور معيّنة ليلة الجمعة ويومها، وتذكر لها فضائل تبعث على الاهتمام بالتلاوة والمواظبة عليها.
سور مخصوصة في أعمال ليلة الجمعة:
ورد في النصّ المنقول ذكر عدد من السور ضمن أعمال ليلة الجمعة، منها: سورة بني إسرائيل، وهي الإسراء، وسورة الكهف، والطواسين الثلاث، وهي الشعراء والنمل والقصص، وسور السجدة ويس وص والأحقاف والواقعة، وحم السجدة، وهي فصّلت، والدخان والطور واقتربت، وهي القمر، وسورة الجمعة.
وفي هذا التنوّع غنىً روحي وتربوي؛ إذ ينتقل القارئ بين دلائل التوحيد، وقصص الأنبياء، ومواقف الثبات أمام الابتلاء، ومشاهد القيامة، والوعد والوعيد. فتتجدّد أمامه معاني الإيمان التي يحتاج إليها في مواجهة همومه واختياراته اليومية.
وتخصيص هذه السور بالذكر يلفت إلى ما ورد في فضلها، مع بقاء باب التلاوة مفتوحًا في سائر سور القرآن، فكلّها هداية وموعظة.
الإسراء والكهف… صحبة الصالحين والشهداء:
رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من قرأ بني إسرائيل في كلّ ليلة جمعة لم يمت حتّى يدرك القائم (عليه السلام) فيكون من أصحابه».
وهذه البشارة تثير في القلب الشوق إلى نصرة الحقّ، وتدعونا إلى التأمّل في المعاني التي تعرضها سورة الإسراء، من عبادة الله، والإحسان إلى الوالدين، ورعاية الحقوق، والوفاء بالعهد، واجتناب الظلم.
ورُوي عنه (عليه السلام) في سورة الكهف: «من قرأ سورة الكهف كلّ ليلة جمعة لم يمت إلّا شهيدًا أو بعثه الله مع الشهداء ووقف يوم القيامة مع الشهداء».
وتحمل سورة الكهف دروسًا في حفظ الإيمان، والتواضع أمام العلم، وعدم الاغترار بالمال والقوّة؛ فتمنح قارئها ما يعينه على الثبات وسط الفتن وتقلّبات الحياة.
الطواسين والسجدة… القرب من الله ورفقة أهل البيت:
ورد في الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ من قرأ الطواسين الثلاث ليلة الجمعة كان من أولياء الله، وفي جواره وكنفه، مع ما ذُكر له من الثواب والكرامة.
وهذه السور تعرض مواقف الأنبياء في الدعوة إلى الله، وصبرهم أمام التكذيب، وثقتهم بنصره. ومن تدبّرها وجد فيها دعوة إلى الاستقامة، وإلى ألّا يستوحش الإنسان طريق الحقّ لقلة سالكيه.
كما رُوي في قراءة سورة السجدة كلّ ليلة جمعة أنّ الله يعطي قارئها كتابه بيمينه، ويجعله من رفقاء محمّد وأهل بيته (عليهم السلام). وما أعظم أن تقود هذه البشارة إلى مزيد من الاقتداء بهم في الصدق والرحمة والأمانة وحسن التعامل.
ص والأحقاف والواقعة… بشائر الخير والأمان:
ورُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قراءة سورة ص ليلة الجمعة فضل عظيم من خير الدنيا والآخرة، وكرامة تشمل القارئ ومن أحبّ من أهل بيته، وفق ما جاء في الرواية.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «من قرأ في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة سورة الأحقاف لم يصبه الله بروعة في الحياة الدنيا وآمنه من فزع يوم القيامة».
كما رُوي عنه في قراءة سورة الواقعة كلّ ليلة جمعة أنّ الله يحبّ قارئها ويحبّبه إلى الناس، وأنّه لا يرى بؤسًا ولا فقرًا ولا فاقة، ويكون من رفقاء أمير المؤمنين (عليه السلام).
وتفتح هذه الفضائل المرويّة أبواب الرجاء، وتحثّ المؤمن على ملازمة القرآن، واستمداد القوّة والطمأنينة من معانيه.
الجمعة والكهف… تجديد العهد بين جمعتين:
وجاء في النصّ أنّ من قرأ سورة الجمعة كلّ ليلة جمعة كانت كفّارة له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وروي مثله في قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة، وفي قراءتها بعد فريضتي الظهر والعصر يوم الجمعة.
وهكذا تصبح التلاوة موعدًا أسبوعيًا لمراجعة النفس: ماذا أصلحنا من أخلاقنا؟ وهل أدّينا ما علينا من حقوق؟ وأيّ تقصير ينبغي أن نتوب منه؟ فتغدو الجمعة بدايةً متجدّدة لمسيرة أصفى وأقرب إلى الله.
من التلاوة إلى أثرها في الحياة:
إنّ الاهتمام بفضائل السور يكتمل بالعناية برسالتها؛ فنقرأ برجاء الثواب، ونتدبّر طلبًا للهداية، ونسعى إلى العمل بما نتلوه. وبشارات المغفرة تدعونا إلى التوبة وإصلاح التقصير، ولا تُسقط حقوق الآخرين أو مسؤوليتنا تجاههم.
فلنخصّص في ليلة الجمعة ويومها وقتًا لكتاب الله، نقرأ فيه ما تيسّر بحضور قلب، ونشجّع أهلنا وأبناءنا على مشاركتنا هذه اللحظات. ولنجعل من كلّ تلاوة خطوةً نحو خُلُق أفضل، وقلب أرحم، وعمل أصلح؛ حتى يبقى نور القرآن حاضرًا في أيامنا كلّها.
إضاءة :
يمكن الرجوع إلى كتاب «مفاتيح الجنان» للشيخ عباس القمّي، في قسم أعمال ليلة الجمعة ويومها، للاطّلاع على الروايات الواردة في فضل قراءة السور المذكورة.



