من أخطر ما يصيب الإنسان أن يعيش بين نعم الله، ثم يغفل عن المنعم؛ يتقلّب في عطائه، ويستمدّ منه أسباب حياته، لكنّه يمضي في يومه كأنّه مستقلّ عنه، لا يستحضر رقابته، ولا يتأمّل غاية وجوده، ولا يسأل نفسه إلى أين تقوده أعماله.
وهذه الغفلة لا تعني بالضرورة إنكار وجود الله؛ فقد يؤمن الإنسان بربّه، ويقرّ بقدرته وعلمه، لكنّ هذا الإيمان يغيب عن قراراته ومواقفه. يعرف أنّ الله مطّلع عليه، ثم يتصرّف وكأنّ الذي يهمّه هو نظر الناس وحده؛ فيخشى انكشاف خطئه أمامهم، ولا يستوقفه أنّ الله يعلم سرّه وعلانيته.
ومن هنا نفهم خطورة الغفلة المستحكمة: إنّها تُضعف في القلب المعنى الذي يوقظه عند الزلل، ويردعه عند الظلم، ويدعوه إلى التوبة.
حين تصبح الغفلة بابًا للمفاسد
قد يقع الإنسان في ذنب، ثم يشعر بألمه، فيندم ويستغفر ويصلح ما أفسد. لكنّ الخطر يتضاعف حين يألف الخطأ، ويبرّره لنفسه، ويتوقّف عن مراجعته؛ إذ تتحوّل الغفلة من لحظة عابرة إلى طريقة في الحياة.
عندئذٍ يسهل أن تُسمّى القسوة حزمًا، والكبر اعتزازًا بالنفس، وأكل الحقوق مهارة، والغيبة حديثًا عاديًا. ومع تكرار التبرير، تضعف حساسية الضمير، ويصبح الرجوع أصعب؛ لأنّ الإنسان لم يعد يرى ما يستدعي الرجوع.
ولهذا يمكن فهم وصف الغفلة بأنّها أصلٌ لكثير من المفاسد؛ فهي تهيّئ لها الطريق، وتُضعف مقاومة النفس لها. أمّا القلب الذي يستحضر وقوفه بين يدي الله، فإنّه يجد ما يردعه ولو غابت أعين الناس، وما يدفعه إلى الإنصاف ولو استطاع الإفلات من المحاسبة.
نسيان الله ونسيان النفس:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [1].
تكشف هذه الآية عن أثر عميق للغفلة؛ فالإنسان حين ينسى ربّه يضيّع معرفته بمصلحته الحقيقية. قد يهتمّ بجسده ومكانته ومكاسبه، ويغفل عن قلبه وأخلاقه ومصيره. وقد يربح جدالًا ويخسر صدقه، أو يحقّق منفعة ويخسر أمانته، أو يحافظ على صورته أمام الناس ويهدم سلامه الداخلي.
إنّ تذكّر الله يعيد ترتيب هذه الموازين، ويوقظ في الإنسان السؤال الأهمّ: ماذا تصنع اختياراتي بنفسي؟ وهل تقرّبني ممّا خُلقت لأجله، أم تزيدني ضياعًا؟
رسالات السماء وإيقاظ القلوب:
كان من المقاصد الكبرى لرسالات الأنبياء هداية الإنسان إلى ربّه، وإيقاظه من الاستغراق في العاجل، وتذكيره بأنّ لحياته غاية، ولعمله حسابًا، ولوجوده امتدادًا يتجاوز حدود الدنيا.
وجاءت العبادات لتجدّد هذه الصلة؛ فالصلاة تستوقف الإنسان وسط مشاغله، وتعيد قلبه إلى ربّه. قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [٢].
وحين يعي المصلّي معنى وقوفه بين يدي الله، يحمل من صلاته أثرًا إلى حياته: صدقًا في حديثه، ورحمةً بأهله، وأمانةً في عمله، وعدلًا مع من يختلف معهم. وبقدر ما يحضر القلب، تتّسع فرصة هذا الأثر وتعمق.
حضور الله في الوعي والسلوك:
استحضار حضور الله يعني وعي إحاطته بنا علمًا وسمعًا وبصرًا؛ فلا تخفى عليه نيّاتنا، ولا تضيع عنده أعمالنا. وهذا الوعي يجمع بين المراقبة والطمأنينة: يمنعنا من الاستهانة بحقوق الآخرين، ويواسينا حين نُظلم؛ يدعونا إلى إخلاص العمل، ويطمئننا إلى أنّ الخير الذي لم يره أحد محفوظ عند الله.
ومن عاش هذا المعنى، أمكنه أن يجعل تفاصيل يومه أبوابًا للقرب: يؤدّي عمله بإتقان، ويصغي إلى محتاج، ويكفّ كلمة جارحة، ويعتذر عن خطئه. فذكر الله يمتدّ من اللسان إلى الموقف، ومن العبادة إلى المعاملة.
كيف نستعيد يقظة القلب؟
تبدأ العودة بلحظة صدق يسأل فيها الإنسان نفسه: ما الذي يشغل قلبي؟ وأين يغيب عنّي تذكّر الله؟ وأيّ خطأ اعتدته حتى توقّفت عن استنكاره؟
ثم تأتي خطوات يسيرة مستمرّة: صلاة بمزيد من الانتباه، وآيات نتدبّرها، واستغفار يصحبه عزم على الإصلاح، ومحاسبة هادئة في نهاية اليوم. وممّا يعين على اليقظة أن نعالج أثر الخطأ عمليًا؛ فنردّ حقًّا، أو نطلب مسامحة، أو نغيّر عادة تؤذينا وتؤذي غيرنا.
والغفلة العارضة التي ينتبه منها الإنسان ليست كالإعراض المتعمّد والإصرار؛ فلا ينبغي أن تتحوّل محاسبة النفس إلى يأس أو وسواس. المقصود أن نستيقظ كلّما غفلنا، وأن نعود كلّما ابتعدنا.
ما دام القلب يستجيب:
قد تمضي سنوات والإنسان يؤجّل إصلاح نفسه، منتظرًا فراغًا لا يأتي أو ظرفًا لا يكتمل. ثم تمرّ به لحظة يدرك فيها أنّ أثمن ما يملكه هو ما بقي من عمره، وأنّ العودة تبدأ بخطوة يستطيعها الآن.
فإذا وجدت في قلبك ألمًا لبعدك، ورغبةً في القرب، فلا تُطفئ هذه اليقظة بالتأجيل. قف بين يدي الله بما أنت عليه، واعترف بتقصيرك، وابدأ بإصلاح ما تقدر عليه.
اللهمّ أيقظ قلوبنا من الغفلة، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل معرفتنا بك نورًا يهدي أعمالنا، ورحمةً تظهر في أخلاقنا، ورجاءً يرافقنا حتى نلقاك.
هوامش:
[١] الحشر: 19
[٢] طه: 14



