يُعد الفيروس المخلوي التنفسي (Respiratory Syncytial Virus – RSV) من أهم الفيروسات المسببة لالتهابات الجهاز التنفسي لدى الرضع والأطفال الصغار، وهو أحد الأسباب الرئيسية لالتهاب القصيبات الهوائية والالتهاب الرئوي، خصوصًا خلال الأشهر الأولى من العمر.
وعلى الرغم من أن معظم الأطفال المصابين يتعافون دون مضاعفات خطيرة، فإن بعض الرضع قد يعانون من صعوبة شديدة في التنفس، ونقص الأكسجين، وضعف الرضاعة، مما يستدعي دخول المستشفى، وقد يحتاج بعضهم إلى العناية المركزة.
خطوة وقائية مهمة لحماية الرضع من المضاعفات التنفسية الخطيرة:
وفي إطار تعزيز الوقاية من هذا الفيروس، أصدرت هيئة الصحة العامة السعودية «وقاية» عام 2025 توجيهات وطنية لاستخدام الجسم المضاد طويل المفعول نيرسيفيماب (Nirsevimab)، بهدف تقليل الإصابات الشديدة والمضاعفات الناتجة عن العدوى.
أولًا: ما هو نيرسيفيماب (Nirsevimab)؟
نيرسيفيماب جسم مضاد وحيد النسيلة طويل المفعول، صُمم لتوفير حماية مباشرة ضد الفيروس المخلوي التنفسي.
وهو يختلف عن اللقاحات التقليدية؛ فاللقاح يحفز الجهاز المناعي على إنتاج الأجسام المضادة، بينما يحتوي نيرسيفيماب على أجسام مضادة جاهزة تستطيع الارتباط بالفيروس ومنعه من دخول خلايا الجهاز التنفسي.
ومن أهم مميزاته أن جرعة واحدة توفر حماية تمتد عادةً إلى نحو خمسة أشهر، وهي فترة تغطي معظم موسم انتشار الفيروس.
وقد أظهرت الدراسات السريرية أن نيرسيفيماب يقلل بدرجة كبيرة خطر الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي السفلي المرتبطة بالفيروس، كما يخفض احتمالية دخول المستشفى بسبب العدوى.
ثانيًا: لماذا يحتاج الرضع إلى هذه الحماية؟
يكون الرضع أكثر عرضة للمضاعفات التنفسية بسبب عدم اكتمال نضج جهازهم المناعي، وصغر حجم الممرات الهوائية لديهم.
وقد تؤدي الإصابة بالفيروس إلى:
- التهاب القصيبات الهوائية مع الصفير وصعوبة التنفس.
- التهاب الرئة ونقص مستوى الأكسجين.
- ضعف الرضاعة والجفاف.
- توقف التنفس المؤقت، خصوصًا لدى الرضع الخدج وصغار العمر.
- الحاجة إلى التنويم أو الدعم التنفسي في الحالات الشديدة.
ومن المهم التأكيد أن الإصابة الشديدة لا تقتصر على الأطفال الذين يعانون من أمراض مزمنة؛ فقد تحدث أيضًا لدى الرضع الأصحاء المولودين بعد حمل مكتمل.
ثالثًا: من هم الأطفال المستهدفون؟
وفقًا لتوجيهات هيئة الصحة العامة السعودية لعام 2025، تشمل الفئات المستهدفة ما يلي:
1. الأطفال في موسمهم الأول للفيروس
جميع الأطفال المولودين خلال موسم انتشار الفيروس، ابتداءً من منتصف سبتمبر وحتى نهاية مارس، بغض النظر عن حالتهم الصحية، مع إعطاء الأولوية للأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات.
كما تشمل التوصيات الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 8 أشهر عند دخول موسم الفيروس الأول لهم، مع التركيز على الفئات عالية الخطورة.
2. الأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات ومنهم:
- الأطفال الخدج المولودون قبل إتمام 32 أسبوعًا من الحمل.
- الأطفال المصابون بأمراض القلب الخلقية المهمة طبيًا.
- الأطفال الذين يعانون من أمراض الرئة المزمنة، بما فيها خلل التنسج القصبي الرئوي.
- الأطفال المصابون بمتلازمة داون.
- الأطفال الذين يعانون من نقص المناعة الشديد.
- الأطفال المصابون باضطرابات عصبية أو عضلية تؤثر في قدرتهم على التخلص من الإفرازات التنفسية.
3. الأطفال في الموسم الثاني
يمكن إعطاء نيرسيفيماب لبعض الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و19 شهرًا، إذا كانوا لا يزالون معرضين بدرجة مرتفعة للإصابة الشديدة، وفق الفئات المحددة في التوجيهات الوطنية.
- الأطفال المصابون بأمراض القلب الخلقية المهمة طبيًا.
- الأطفال الذين يعانون من أمراض الرئة المزمنة، بما فيها خلل التنسج القصبي الرئوي.
- الأطفال المصابون باضطرابات عصبية أو عضلية تؤثر في قدرتهم على التخلص من الإفرازات التنفسية.
ومن الضروري الانتباه إلى أن الأطفال الأصحاء في هذه الفئة العمرية لا يحتاجون عادةً إلى هذه الحماية بصورة روتينية.
رابعًا: ما الجرعة الموصى بها؟
تحدد الجرعة بحسب وزن الطفل، وفقًا للتوجيهات المرفقة، وتُعطى الجرعة حقنًا عضليًا في الجزء الأمامي الجانبي من الفخذ.
الأطفال الذين يقل وزنهم عن 5 كجم:
يعطى الطفل جرعة واحدة فقط من 50ملجم من الجسم المضاد طويل المفعول نيرسيفيماب (Nirsevimab) المعبأة مسبقاً بلون المكبس البنفسجي عن طريق الحقن العضلي(IM).
الأطفال الذين يبلغ وزنهم 5 كجم أو أكثر:
يعطى الطفل جرعة واحدة مقدارها 100ملجم من الجسم المضاد طويل المفعول نيرسيفيماب (Nirsevimab) المعبأة مسبقاً بلون المكبس الأزرق الفاتح عن طريق الحقن العضلي(IM).
خامسًا: متى يُعطى نيرسيفيماب؟
بحسب التوجيهات السعودية، يبدأ إعطاء الجسم المضاد قبل بداية موسم انتشار الفيروس بنحو أسبوعين، أي ابتداءً من منتصف سبتمبر، ويستمر تقديمه حتى مارس، وفق نشاط الفيروس في المملكة.
ويمكن إعطاؤه للطفل بعد الولادة في أقرب وقت ممكن، ويفضل قبل خروجه من المستشفى إذا كان مؤهلًا للحصول عليه.
كما يمكن إعطاؤه بالتزامن مع اللقاحات الروتينية للأطفال، بما فيها لقاح الإنفلونزا، مع استخدام مواضع حقن مختلفة.
سادسًا: ماذا لو تلقت الأم لقاح RSV أثناء الحمل؟
يمكن حماية الرضيع من الفيروس المخلوي التنفسي بطريقتين رئيسيتين:
الأولى: إعطاء لقاح RSV المخصص للحوامل خلال الفترة المعتمدة من الحمل، مما يسمح بانتقال الأجسام المضادة من الأم إلى الجنين عبر المشيمة.
الثانية: إعطاء نيرسيفيماب للرضيع بعد الولادة.
وبحسب التوجيهات المرفقة، إذا تلقت الأم لقاح RSV أثناء الحمل، وحدثت الولادة بعد مرور 14 يومًا على الأقل من التطعيم، فلا يحتاج الرضيع عادةً إلى نيرسيفيماب خلال موسمه الأول.
أما إذا حدثت الولادة قبل مرور 14 يومًا من تطعيم الأم، فقد يحتاج الطفل إلى نيرسيفيماب.
وقد توجد استثناءات لبعض الأطفال ذوي الخطورة المرتفعة، لذلك ينبغي تقييم الحالة وفق التوصيات الطبية المعتمدة.
سابعًا: هل يحتاج الطفل إلى باليفيزوماب (Palivizumab) أيضًا؟
باليفيزوماب جسم مضاد آخر استُخدم لسنوات للوقاية من المضاعفات الشديدة للفيروس المخلوي التنفسي لدى بعض الأطفال الأكثر عرضة للخطر.
ولكنه يحتاج إلى جرعات شهرية خلال موسم الفيروس، بخلاف نيرسيفيماب الذي يوفر حماية ممتدة بعد جرعة واحدة في معظم الحالات.
وتوضح التوجيهات السعودية أنه إذا تلقى الطفل نيرسيفيماب، فلا توجد حاجة لإعطائه باليفيزوماب في الموسم نفسه.
ثامنًا: ما الآثار الجانبية المحتملة؟
يُعد نيرسيفيماب آمنًا بصورة عامة، وقد تظهر بعض الأعراض الجانبية البسيطة، ومنها:
- ألم أو احمرار أو تورم في موضع الحقن.
- طفح جلدي خفيف.
أما الحساسية المفرطة فهي نادرة جدًا، ولكن ينبغي الاستعداد للتعامل معها في المراكز الصحية.
وتوصي التوجيهات بمراقبة الرضيع لمدة لا تقل عن 15 دقيقة بعد إعطائه الحقنة، مع توفر الأدوية والتجهيزات اللازمة للتعامل مع التفاعلات التحسسية الشديدة.
ويُمنع إعطاء نيرسيفيماب للطفل الذي لديه تاريخ من الحساسية الشديدة تجاه المادة الفعالة أو أحد مكونات المستحضر.
تاسعًا: هل يمنع نيرسيفيماب الإصابة بالفيروس تمامًا؟
لا يوفر نيرسيفيماب حماية مطلقة من الإصابة بفيروس RSV، ولكنه يقلل بدرجة كبيرة خطر الإصابة الشديدة والمضاعفات التي تستدعي الرعاية الطبية أو دخول المستشفى.
كما أنه لا يحمي من بقية الفيروسات التنفسية، مثل الإنفلونزا والفيروسات الأنفية وغيرها.
ولهذا تظل الإجراءات الوقائية العامة ضرورية، ومنها غسل اليدين، وتجنب مخالطة المرضى، والامتناع عن التدخين بالقرب من الأطفال، والاهتمام بالرضاعة الطبيعية.
ومن المهم أيضًا معرفة أن نيرسيفيماب وسيلة للوقاية، وليس علاجًا للطفل المصاب بالفعل بعدوى RSV.
عاشرًا: ما أهمية هذه التوصيات للمجتمع السعودي؟
يمثل إدراج نيرسيفيماب ضمن التوجيهات الوقائية الوطنية تطورًا مهمًا في حماية صحة الأطفال، خاصة مع ارتفاع معدلات انتشار الفيروس المخلوي التنفسي خلال أشهر الخريف والشتاء.
ومن المتوقع أن يسهم تطبيق هذه التوصيات في تقليل الحالات الشديدة، وخفض الحاجة إلى التنويم والعناية المركزة، وتخفيف العبء على الأسر والمنشآت الصحية.
كما تؤكد هذه الخطوة أهمية الانتقال من التركيز على علاج المضاعفات بعد حدوثها إلى الوقاية منها قبل الإصابة.
الرسالة الوطنية الذهبية:
إن الوقاية من الفيروس المخلوي التنفسي خلال السنة الأولى من عمر الطفل تمثل أولوية صحية مهمة، نظرًا لما قد تسببه العدوى من مضاعفات تنفسية خطيرة لدى بعض الرضع.
ويُعد نيرسيفيماب أحد أبرز التطورات الحديثة في هذا المجال، إذ يوفر حماية طويلة المفعول بجرعة واحدة في معظم الحالات، ويساعد على تقليل احتمالية الإصابة الشديدة ودخول المستشفى.
والرسالة الأساسية للأسر هي أن الوقاية من RSV لا ينبغي أن تقتصر على الأطفال الخدج أو المصابين بأمراض مزمنة؛ فالرضع الأصحاء أيضًا قد يتعرضون لمضاعفات خطيرة، ولذلك ينبغي التحقق من أهلية كل رضيع للحصول على الحماية المناسبة خلال موسم الفيروس.
ومن الضروري الرجوع إلى أحدث التوجيهات الوطنية عند التطبيق، لأن الفئات المستهدفة ومواعيد الإعطاء قد تتغير بحسب تحديثات الجهات الصحية وتوفر المستحضرات.
المصدر:
١- هيئة الصحة العامة السعودية «وقاية» – موجهات عامة لإدراج الجسم المضاد طويل المفعول للفيروس المخلوي التنفسي في الخدمة الصحية، 2025.
2- Red book 2024- 2027
3 - Nelson Textbook of pediatrics 2025



