عندما يُصاب الطفل بالإسهال، ينشغل الأهل غالبًا بالسؤال: كيف نوقفه؟ لكن السؤال الأهم هو: كيف نحمي الطفل من الجفاف حتى يتعافى؟
تهدف هذه الإضاءة التوعوية إلى توضيح أهم خطوة في علاج الإسهال عند الأطفال: تعويض السوائل والأملاح المفقودة، ومنع الجفاف أو علاجه مبكرًا. ويُعدّ محلول الإماهة الفموي خط الدفاع الأول لتحقيق ذلك في معظم الحالات.
ينبغي أن يهدف علاج الأطفال المصابين بالإسهال الحاد، في المقام الأول، إلى الوقاية من الجفاف والحفاظ على التغذية. وأفضل وسيلة للمحافظة على إماهة الجسم هي تعويض السوائل والشوارد المفقودة (الأملاح) باستخدام محاليل الإماهة الفموية (ORS) منذ بداية ظهور الأعراض. ويُعدّ العلاج بالإماهة الفموية (ORT) علاجًا سريعًا وآمنًا وفعّالًا وقليل التكلفة للإسهال.
لماذا يكون الأطفال أكثر عرضة للجفاف؟
الأطفال، وخصوصًا الرضّع، أكثر عرضة للجفاف من البالغين؛ لأن احتياجاتهم من السوائل والأملاح بالنسبة إلى وزن الجسم أعلى، ولأنهم يعتمدون على الآخرين لتقديم السوائل لهم.
ومع الإسهال، يفقد الطفل الماء والأملاح، وقد يتضاعف هذا الفقد إذا صاحبه قيء أو تراجعت الرضاعة والشرب. لذلك لا تُقاس خطورة الحالة بعدد مرات الإسهال وحده، بل بكمية السوائل المفقودة، وقدرة الطفل على تعويضها، ونشاطه وتبوّله. وتستدعي حالة الرضّع دون عمر 6 أشهر اهتمامًا أكبر.
ما محلول الإماهة الفموي؟ وكيف يساعد الطفل؟
محلول الإماهة الفموي ORS مستحضر يحتوي على الغلوكوز والأملاح بنسب مدروسة تساعد الأمعاء على امتصاص الماء والصوديوم حتى أثناء الإسهال.
وظيفته الأساسية تعويض السوائل والأملاح والوقاية من الجفاف وعلاجه، وليس إيقاف الإسهال مباشرة؛ لذلك فإن استمرار التبرز المائي لا يعني أن المحلول غير مفيد.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بمحلول الإماهة منخفض الأسمولية، أي ذي التركيز الكلي المنخفض للجزيئات الذائبة. وتحتوي تركيبته القياسية في كل لتر على:
* الصوديوم: 75 مليمول.
* الكلوريد: 65 مليمول.
* البوتاسيوم: 20 مليمول.
* السترات: 10 مليمول.
* الغلوكوز: 75 مليمول.
* الأسمولية الكلية: 245 ملي أوزمول/لتر.
هذه التركيبة للتعريف بالمحلول، وليست وصفة لتحضيره منزليًا؛ ويُستخدم المستحضر المخصّص للإماهة وفق تعليمات العبوة.
كيف نحسب كمية التعويض بعد الإسهال؟
للطفل الذي لا تظهر عليه علامات الجفاف، إحدى الطرق المعتمدة لتعويض الفقد بعد كل مرة من الإسهال المائي هي:
* بعد كل مرة من البراز المائي أو الرخو: يُعطى 10 مل/كغ من وزن الجسم من محلول الإماهة.
كمية محلول الإماهة بالملليلتر = وزن الطفل بالكيلوغرام × 10
* بعد كل نوبة قيء: يُعطى 2 مل/كغ من وزن الجسم من محلول الإماهة.
فإذا كان وزن الطفل مثلا 12 كغ، نقدّم له 120 مل بعد كل مرة إسهال مائي. وإذا تكرر الإسهال، نكرر التعويض، مع تقديم الكمية تدريجيًا حسب تحمّله، إلى أن بتوقف الإسهال خلال فترة زمنية
هذه الكمية إضافية إلى رضاعته وسوائله المعتادة، وليست إجمالي احتياجه اليومي، ولا يلزم شربها دفعة واحدة.
ومن المهم التمييز بين تعويض الفقد المستمر وعلاج الجفاف: فقاعدة الوزن × 10 تعوّض ما يفقده الطفل بعد التبرز المائي، لكنها لا تكفي وحدها لعلاج نقص السوائل المتراكم إذا ظهرت علامات الجفاف بالفعل.
كيف يُعالج الجفاف الموجود بالفعل؟
يحتاج الطفل المصاب بالجفاف إلى تقييم سريع لتحديد شدته ووضع خطة مناسبة. ويتكوّن العلاج عادةً من مرحلتين:
مرحلة العلاج بالإماهة (تعويض السوائل المفقودة):
عند وجود علامات تدلّ على الجفاف، مثل جفاف الفم، أو قلة الدموع، أو غؤور العينين، والشرب بلهفة والشعور بعطش شديد، ينبغي تعويض السوائل الناقصة.
في حالات الجفاف الخفيف إلى المتوسط (Some dehydration)، يُعطى الطفل محلول الإماهة الفموي بمقدار 75 مل/كغ من وزن الجسم خلال 4 ساعات.
ويُراعى خلال ذلك تلبية احتياجات الطفل اليومية من السوائل، وتعويض الفقد المستمر بسبب الإسهال أو القيء
مثلا لو كان وزن الطفل ١٠ كيلو، ولديه جفاف متوسط، نعطيه ٧٥٠ مل من المحلول يتناولها خلال اربع ساعات من اى دفعات، و هذه الكمية تعطى بهدف تعديل الجفاف الحاصل.
مرحلة تعويض الفقد من السوائل المستمر:
بعد تصحيح الجفاف، تستمر الرضاعة والسوائل والتغذية المناسبة للعمر، مع مواصلة تعويض ما يفقده الطفل بسبب الإسهال أو القيء، طبقا لقاعدة الوزن × 10 بعد كل إسهال مائي، كما تم شرحه بالأعلى إلى أن يتوقف الإسهال.
كيف نقدّم المحلول إذا كان الطفل يتقيأ أو يرفض الشرب؟
القيء لا يعني بالضرورة فشل الإماهة الفموية؛ فكثير من الأطفال يستطيعون الاحتفاظ بالمحلول عندما يُقدَّم ببطء وبكميات صغيرة:
* ابدؤوا بنحو 5 مل باستخدام ملعقة صغيرة أو سرنجة فموية، كل دقيقة إلى دقيقتين.
* عند استخدام السرنجة، يُقدَّم المحلول ببطء إلى داخل الخد، مع إعطاء الطفل فرصة للبلع.
* تُزاد الكمية تدريجيًا حسب تحمّل الطفل، دون إجباره على شرب كمية كبيرة دفعة واحدة.
* إذا تقيأ، انتظروا نحو 10 دقائق، ثم استأنفوا إعطاء المحلول ببطء أكبر.
أما إذا استمر القيء ومنع الطفل من الاحتفاظ بالمحلول، أو لم يستطع تناول كمية تكفي لتعويض الفقد، فيحتاج إلى تقييم طبي.
كيف نحضّر المحلول بطريقة صحيحة؟
دقة التحضير ضرورية لسلامة الطفل وفاعلية العلاج:
* يُذاب كيس المسحوق في كمية الماء المحددة على العبوة بالضبط؛ فالأكياس تختلف في حجم الماء المطلوب.
* لا تُضاف إليه كميات أخرى من السكر أو الملح.
* لا يُخلط بالحليب أو العصير.
* المحلول الجاهز للشرب لا يُخفّف بالماء.
* تُتّبع تعليمات العبوة بشأن الحفظ ومدة الاستخدام بعد التحضير أو الفتح.
لماذا لا تكفي العصائر والمشروبات الغازية؟
العصائر والمشروبات الغازية والشاي ليست بدائل مناسبة لمحلول الإماهة؛ فتركيبها لا يوفّر التوازن المطلوب لتعويض السوائل والأملاح. وقد تؤدي الكميات المرتفعة من السكريات في بعض المشروبات إلى زيادة الإسهال.
كما أن الماء وحده لا يعوّض الأملاح المفقودة، وإن كان مناسبًا ضمن السوائل المعتادة للأطفال الذين يسمح عمرهم بتناوله. لذا لا ينبغي الاعتماد عليه وحده عند وجود فقد ملحوظ بسبب الإسهال.
هل نوقف الرضاعة والطعام؟
لا تُوقَف الرضاعة الطبيعية، بل تستمر بصورة متكررة، حتى خلال مرحلة تعويض الجفاف.
إذا لم يكن الطفل مصابًا بالجفاف، يستمر على حليبه المعتاد وطعامه المناسب لعمره بحسب تقبّله. ولا يُخفَّف الحليب الصناعي بماء إضافي.
أما عند وجود جفاف يستلزم مرحلة إماهة أولية، فتكون الأولوية لتعويض السوائل مع استمرار الرضاعة الطبيعية، ثم يُستأنف الطعام المعتاد بعد تصحيح الجفاف، دون انتظار توقف الإسهال تمامًا.
متى يحتاج الطفل إلى أنبوب تغذية أو سوائل وريدية؟
إذا رفض الطفل الشرب أو تعذّر إعطاؤه كمية كافية بالفم، فقد يستخدم الفريق الطبي أنبوبًا أنفيًا معديًا لإعطاء محلول الإماهة في الحالات المناسبة.
أما السوائل الوريدية فقد تلزم عند وجود صدمة أو جفاف شديد، أو تدهور الحالة رغم الإماهة، أو استمرار القيء بما يمنع نجاح التعويض الفموي أو عبر الأنبوب.
وتوجد حالات لا تكون فيها الإماهة الفموية مناسبة أو آمنة، مثل انخفاض مستوى الوعي، أو شلل الأمعاء، أو الاشتباه بانسدادها أو الانغلاف المعوي. كما أن الإسهال الغزير جدًا الذي يتجاوز قدرة الطفل على التعويض يحتاج إلى رعاية ومراقبة طبية. ولا يعني مجرد حدوث القيء مرة أو مرتين أن الطفل يحتاج إلى محلول وريدي.
متى نطلب المساعدة الطبية؟
راقبوا نشاط الطفل ورضاعته وشربه وتبوّله، واطلبوا تقييمًا طبيًا سريعًا عند ظهور:
* انخفاض واضح في البول أو عدد الحفاضات المبللة.
* جفاف الفم، أو قلة الدموع، أو غؤور العينين.
* خمول غير معتاد أو تراجع واضح في النشاط.
* رفض الشرب أو قيء متكرر يمنع تعويض السوائل.
* دم في البراز، أو ألم شديد في البطن، أو حرارة عالية مستمرة.
أما صعوبة إيقاظ الطفل، أو انخفاض وعيه، أو برودة أطرافه مع تدهور حالته فتستدعي التوجّه إلى الطوارئ فورًا.
ولا تُعطى أدوية إيقاف الإسهال للأطفال دون توجيه طبي، كما أن معظم النزلات المعوية لا تحتاج إلى مضاد حيوي.
الرسالة الذهبية:
حماية طفلك من الجفاف تبدأ بالتعويض المبكر للسوائل والأملاح: قدّم محلول الإماهة، واستمر في الرضاعة، وراقب نشاطه وتبوّله.



