تمهيد (من نافل القول):
وضعت الشهادات لتكون وثيقة رسمية على الإنجاز سواء أكاديميًا أم وظيفياً وقيمة تلك الشهادة من الجهة المانحة لها. هذه الشهادات تعطي مؤشرًا للمجتمعات عن المستوى العلمي والمهاري فيه كصورة إجمالية. بحمد الله بعد أن كان في الأزمنة السابقة حاصد شهادة مرحلة الابتدائي يعد مفخرة لمجتمعه تزخر المجتمعات بالشهادات الجامعية والدراسات العليا وهذا يعكس التقدم الأكاديمي الذي وصلنا به في هذه القرية العالمية، وبنفس النموذج الحال عن المسار الحوزي الذي رسّخ أسسه الأئمة المعصومون عليهم السلام ففي السابق كان من النادر وجود طلاب علم حوزوي في المجتمعات ولكن في زماننا لا تخلو المجتمعات من ثلاثة أو أكثر من طلبة العلم العلوي أعزهم المولى.
هذا الزخم العلمي "التخصصي" يخدم مجتمعاتنا للتقدم الذي تحقق جزءٌ منه لأن توظيف ذلك بقرار المجتمع عند وضع الشخص المناسب في المكان المناسب لتكون الاستفادة من الطاقات بالشكل الأمثل.
كما هو معلوم تتفاضل العلوم في شرفها بحسب موضوعها، ولكن ذلك لا يزهد في العلوم المفضولة لأن حامل أشرف العلوم يحتاج إلى حامل العلم المفضول لتسير عجلة الحياة بل بعض العلوم قد تصعد إلى المقدم إذا كانت الحاجة إليها ماسة للمجتمع المسلم بحسب ما تفضل به أحد الفقهاء. يبقى الوجوب على الجميع أن ينهل من العلم الأشرف بمقدار المسائل المبتلى به وما زاد أفضل قدر المستطاع ولكن تبقى الكلمة للمختص في ذلك (أهل السماحة والفضل والخبرة من الفقهاء فضلا عن المراجع).
التحرك من أسس التخصصية هو الطريق الأصح لنتائج أدق وما غرسه أمير المؤمنين في قصة زواجه بأم البنين حين سؤاله لسيدنا ومولانا عقيل بن أبي طالب عليهم السلام أجمعين ويعضدها الحواضر العلمية الأن التي فتحت في كل منعطف تخصصًا في التخصص الواحد لذالك نرى النتيجة "تقدمٌ علميٌّ متفجر". وهذه ثقافة ينبغي أن تسود مجتمعاتنا، لا أن تُعامل بوصفها ابتكارًا حديثًا والجديد هو أن يعمل على أن تكون ثقافة لأن المستوى التعليمي ارتفع للمجتمعات ما جعل أفراد المجتمع قادرين على التحدث والاستظهار خلف حدود تخصصهم مما يسبب تشويشًا ثقافيًا بغض النظر عن أن بعض غير المختصين أضلع من بعض المختصين فهذه حالات لا يبنى عليها.
من النماذج التي جسدت التميز في الطرح من خلال حنجرة المختص هو لقاء مع أحد الدكاترة الأعزاء الذين يفخر بهم مجتمعهم الذي قدم وجبة ثقافية مشبعة عن "طب الأسرة" من موقع تخصصه ألا وهو الدكتور المجد بقوة إرادته أحمد عبد العزيز الفلس -من خريجي جامعة أم القرى بمكة المكرمة- الذي مع تميزه الدراسي -تبارك الله الذي سدده- يرسم صورة لمعنى الإيمان والتقى والخلق الحسن والورع. فهنا سننثر جرعاته الثقافية التي أثمرت هدفها بتثقيف الأذهان عن أهمية دور "طبيب الأسرة".
❖ تعريفه وأهميته:
استهل الدكتور حديثه بتعريف طب الأسرة أنه " رعاية أولية مستمرة وشاملة للفرد والأسرة، من الطفولة إلى الشيخوخة" وهو تخصص مثله مثل الجراحة والمخ والعظام وغيرها يتم اجتيازه بدراسة ٣ سنوات وبعض الدول ٤ سنوات بعد التخرج من مرحلة البكالوريوس في الطب (أي بعد مرحلة طبيب عام). ثم فصَّل توضيحًا عن أهميته بالمميزات أدناه:
o أول نقطة اتصال: بوابتك الأولى لأي مشكلة صحية
فدوره كالمستشار المالي أو الهندسي ولكن عن أهم بضاعة للإنسان وهي صحته.
o الاستمرارية: طبيب يعرف تاريخك وتاريخ أسرتك مع الوقت
ما يمكنه فهم حالتك أو أفراد أسرتك بصورة دقيقة أكثر من طبيب الطوارئ وغيره.
o الشمولية: كل الأعمار وكل المشكلات الشائعة
تشمل رعايته من عمر الطفولة إلى عمر الشيخوخة ولكلا الجنسين وفي بعض الدول المتقدمة يمكنه توليد النساء.
o التنسيق: يربطك بالأخصائي المناسب ويتابعك بعده.
بحكم اطلاعه الدقيق على التاريخ الصحي يمتلك الرؤية الأوضح للتوجيه الأخصائيين بحسب الحالة فبالتالي حفظ للجهود والموارد المالية التي تذهب بسبب ضبابية الرؤية لدى المريض الذي لا يراجع مع طبيب أسرتهز
❖ تاريخه:
الكلية الملكية للأطباء الاوليين في بريطانيا كانت السباقة في مضمار "طب الأسرة" من عام ١٩٥2م ثم تلاه البورد الأمريكي لطب الأسرة عام 1969م وفي عام 1972م تأسيس "WONCA" المنظمة العالمية لأطباء الأسرة. ثم تم إعلان ألما آتا )كازاخستان (: الرعاية الأولية أساس النظم الصحية يقوده طبيب متخصص يهتم بصحة المجتمع ككل وباقل تكلفة عام 1978م.
ومن ضمن رؤية ٢٠٣٠ , البورد السعودي وضع خطته لتطوير الرعاية الأولية وذلك من خلال التركيز على طب الأسرة كحجر زاوية.
❖ طب الأسرة حجر زاوية:
بسبب تطور علم الطب الذي أدى إلى استحداث تخصصات دقيقة أصبح المريض يعيش حالة من التشتت والتنقل بين أطباء لا يملكون رؤية شاملة عن تاريخه الصحي تمكنهم من تشخيصه بدقة وبالتالي معالجة الحالة كما ينبغي. ولتوعية المتلقي أكثر أن طبيب الأسرة دوره الرعاية الشمولية لا شمولية التخصصات أي أن طبيب الأسرة درس الحالات الشائعة في كل التخصصات الطبية ما مكنه من القدرة على تقديم الرعاية الطبية حتى في "الطب النفسي" ذلك هو:
1. يعالج معظم المشكلات الطبية الشائعة بدون الحاجة للتحويل إلى الأخصائيين إلا عند الضرورة وبعد ذلك يتابعه أيضاً عن نتائج زيارته للأخصائي ومتابعة حالته حتى الاستقرار أو الشفاء وهو ما يعرف بـ"إدارة الألم". ومما يعانونه هنا إصرار بعض المراجعين على التحويل إلى الاخصائي أو الاستشاري مع أن حالته لا تحتاج ذلك المستوى من الرعاية.
2. قادر على متابعة الأمراض المزمنة كالسكري والضغط والسمنة لكل أفراد الأسرة.
3. نتيجة تعامله مع الحالات التي في منطقته يمكنه ذلك من قراءة الوضع الصحي للمجتمع ويعالج المريض من خلال هذه النظرة لذلك هو "يرى المريض كاملاً لا عضواً واحداً" جسدًا ونفسًا ومجتمعًا.
4. تساعد مراجعته على متابعة الحالة بشكل تجعل للمراجع حصانة مانعة بإذن الله تبارك وتعالى عن الأمراضالمزمنة من خلال اجراء الفحوصات اللازمة وغير ذلك. فالمسح الطبي وظيفة طبيب الأسرة وهو عملية كشف الأمراض والعمل على مسح تلك الأمراض من المريض اعتمادًا على تاريخه الطبي وتحدد التحاليل التي يحتاجها بدقة حفاظًا على جهد ومال المريض وكذلك تقوم على الكشف المبكر عن أمراض أو عوامل خطر لدى أشخاص لا تظهر عليهم أعراض.
❖ مستويات الوقاية الخمسة:
ليتضح أهمية موقع طبيب الأسرة تعرض الدكتور الفلس لمستويات الوقاية الخمسة وهي كالتالي:
- ما قبل الأولية (Primordial) منع نشوء عوامل الخطر: بيئة صحية ومساحات للمشي
- الأولية (Primary): الوقاية من المرض: تطعيمات، تثقيف، إيقاف التدخين
- الثانوية (Secondary): الكشف المبكر: فحوصات المسح
- الثالثية (Tertiary): منع المضاعفات وإعادة التأهيل
- الرباعية (Quaternary): حماية المريض من الإفراط في الفحوص والأدوية.
حيث أن دور الطبيب هو في المرتبة " الأولية" والمتمثلة بالمراكز الصحية وليس المستشفيات فالمراكز الصحية تمتلك الرؤية الكاملة أكثر من غيرها مثل التطعيمات، بناء على ما ذكر الدكتور الفلس.
ولأن الإنسان هو المسؤول الأول عن حالته "ما قبل الأولية" من خلال رعاية صحته الجسدية والنفسية من خلال الوعي الصحي الذي يتجسد عادات صحية كالنوم الكافي والطعام الصحي والرياضة والابتعاد عن كل ما يشكل سببًا لخطر على صحته الجسدية والنفسية. وأما المستشفيات العامة تتولى مهام "الوقاية الثانوية" بينما المستشفيات التخصصية على عاتقها مهام "الوقاية الثالثية" فهي تُعنى بالأمراض المزمنة لذلك لا يصح التوجه إليها مباشرة من قبل المريض فالصحيح أنه تتم الإحالة إليها بناءً على تقييم طبيب الأسرة بحسب الدكتور أحمد الذي أفصح أن هناك ضغطًا يعيشه طبيب الأسرة من إصرار بعض المرضى للتحويل إلى المستشفيات العامة أو التخصصية.
وكنموذج توضيحي ذكر الدكتور الفلس ألم المفاصل الذي تتشابه فيه الآلام ولكن طبيب الأسرة بيده تشخيص هل يحتاج المريض التوجه إلى الأخصائي أم لا.
❖ متى طبيب الأسرة؟ ومتى الطوارئ؟:
أجاب الدكتور أن الطوارئ على اسمها للأشياء الطارئة التي لا تحتمل أو تنبئ عن خطر مثل ألم صدر شديد أو ضيق نفس شديد أو ضعف مفاجئ في جانب من الجسم أو اضطراب في الكلام أو نزيف لا يتوقف أو فقدان وعي. بينما طبيب الأسرة ينبغي مراجعته في التالي:
- أعراض جديدة غير شديدة
- متابعة الأمراض المزمنة
- التطعيمات والفحوص الدورية
- استشارة قبل اختيار الأخصائي
❖ التخصصات الدقيقة في طب الأسرة :
كما لفت الدكتور الفلس انه كما في باقي التخصصات العامة تخصص دقيق يحتاج إلى دراسات عليا أخرى يوجد في طب الأسرة تخصصات دقيقة مثل طب السفر، طب الألم، الطب الرياضي، طب كبار السن، طب المراهقة، طب النوم، طب صحة المرأة وغيرها التي تحتاج إلى دراسة أخرى تصل إلى سنتين بعد الانتهاء من طب الأسرة. حيث دعا الدكتور أحمد عبد العزيز الفلس إلى الاهتمام من "طبيب السفر" الذي ينبغي مراجعته قبل السفر بمدة شهر للتوعية عن اللقاحات التي قد يحتاجها أو ما يلزم المسافر لأي بلد من ناحية طبية
❖ ختامًا
شدد الدكتور الفلس على ضرورة أن تعرف كل أسرة فريقها الطبي من خلال تطبيق صحتي وهم:
- طبيب الأسرة
- الممرضة
- المثقف الصحي
مكررًا على أهمية دور طبيب الأسرة تماشيًا مع ما يطبق الان من التفعيل الملحوظ للمراكز الصحية ورفض المستشفيات المراجع إن لم يأتي من خلال المراكز الصحية.



