تحتل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مكانة استثنائية في الوجدان الإسلامي والتراث الروائي عند المسلمين، سنة وشيعة. ولم يكن هذا المقام وليد العاطفة أو الانتماء المذهبي فحسب، بل استند إلى نصوص نبوية ثابتة أكدت فضلها واصطفاءها. ومن أبرز تلك النصوص حديث «سيدة نساء العالمين» الذي تضافرت على روايته مصادر متعددة، منها ما أورده ابن سعد في الطبقات، وما أورده الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، إضافة إلى روايات أخرى متواترة المعنى في كتب الحديث.
في أواخر أيامه، حين كانت أنفاس النبوّة تخفُّ شيئًا فشيئًا، وكان نورُ الرسالة يتهيّأ لآخر إشراقٍ له في الدنيا، التفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى فاطمة، تلك التي لم تكن ابنةً فحسب، بل كانت قلبه الذي يخفق خارج جسده، وظلّه الذي يمشي بين الناس، ونَبض الرسالة في بيتٍ صغير يضجُّ بالقداسة.
اقترب منها، وهي تقرأ في قسمات وجهه شؤون الآخرة، فابتسم لها تلك الابتسامة التي تشبه فجرًا لا يعرف الغياب، وقال بكلماتٍ حفرتها السماء قبل أن ينطق بها اللسان:
«يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين؟»
كانت الكلمات أشبه بتاجٍ من نور، واعترافٍ نبويٍّ بمقامٍ لم تطأه قدم امرأة، مقامٍ يعلو على الزمن، ويعبر قرون البشرية بأكملها ليعلن:
إنّ في العالم امرأةً واحدةً بلغت هذا الشرف؛ امرأةً فاقت بكمالاتها جميعَ الكمالات التي حازتها النساءُ الكاملات: مريمُ، وآسيةُ، وخديجة.
يحاول هذا المقال تحليل الروايتين المشار إليهما في الأعلى ، واستجلاء أبعادهما اللغوية والعقائدية والتاريخية، مع إبراز دلالاتهما على المقام الرفيع للزهراء (عليها السلام).
أولًا: دراسة الروايات الواردة:
1. رواية ابن سعد في «الطبقات»
يروي محمد بن سعد بسنده:
أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن فِراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، في حديث طويل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لفاطمة (عليها السلام):
«أمَا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء العالمين؟» (١)
تحليل السند:
• الفضل بن دُكين: من كبار الحفاظ الثقات.
•زكريا بن أبي زائدة: ثقة متقن، من رواة الصحيحين.
• فراس بن يحيى: ثقة.
• الشعبي ومسروق: من كبار التابعين وفقهائهم.
• عائشة: أم المؤمنين، أم المؤمنين.
السند قوي، مع اتصال الطبقات، مما يزيد الرواية قوة واعتبارًا.
2. رواية الحاكم النيسابوري في «المستدرك»
يقول الحاكم في روايته: عن مسروق، عن عائشة، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه الذي توفي فيه:
«يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين؟»(٢)
قيمة الرواية:
• الحاكم صحّح الرواية على شرط الشيخين.
• الذهبي وافقه في مواضع، مع أن الرواية لها شواهد كثيرة.
• ورود الحديث في مرض الوفاة يعطيه أهمية خاصة؛ ولأن الحديث جاء في ساعات الوداع، فقد اكتسب هيبةً خاصة؛ فمخارج النَّفس الأخير لا يحمل إلا أصدق الحقائق.
لِمَ قال النبي هذا اللقب في مرضه؟
لأن اللحظات الأخيرة، حين تكون الأرواح على مشارف الرحيل، لا تقبل المديح العابر، ولا الكلمات المكررة.
إنها لحظات الحقيقة العارية من كل مجاملة.
وهناك، في ذروة الصدق، كرّر النبي صلى الله عليه و آله، وهو الذي لا ينطق عن الهوى : «ألا ترضين يا فاطمة؟»
وكأنه يريد أن يورّث الأمة وصيةً: إن مقام فاطمة ليس شأنًا عائليًا، بل شأنًا إلهيًا، وأن حفظ مكانتها هو حفظٌ لحرمة الرسالة نفسها.
ومن الشواهد أيضاً ما ذكره ابن حَيّان الأندلسي في البحر المحيط، إذ قال:
" قال بعض شيوخنا : والذي رأيت ممن اجتمعت عليه من العلماء ، أنهم ينقلون عن أشياخهم : أن فاطمة أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات لأنها بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم " (٣)
كما أورد الألوسي في تفسير روح المعاني حديثا عن ابن عباس : " عن ابن عباس عن النبـي صلى اللَّـه عليه وسلّم أنه قال: «أربع نسوة سادات عالمهن، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخدجية بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى اللَّـه عليه وسلّم وأفضلهن عالماً فاطمة» ….. ثم قال الألوسي مبينا رأيه : " والذي أميل إليه - أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات من حيث إنها بضعة رسول اللَّـه صلى اللَّـه عليه وسلّم بل ومن حيثيات أخر أيضاً." (٤)
ثانيًا: الدلالات المحورية للقب «سيدة نساء العالمين»:
1. شمول اللقب لكل الأزمنة:
قول النبي «سيدة نساء العالمين» يدلّ على:
• نساء عصرها
• نساء الأمم السابقة
• نساء الأمم اللاحقة
• جميع النساء إلى يوم القيامة
وهذه الدلالة الزمنية الشاملة لا تُعطى إلا لامرأة بلغت مقامًا لا يُدانيه مقام.
2. البعد الروحي والعقدي:
يتناسب هذا اللقب مع صفات الزهراء (عليها السلام) الواردة في الروايات:
• الطهارة المطلقة: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا».
• العلم اللدني: فهي من «المُحدَّثات» حيث كانت الملائكة تكلمها.
• الصبر والجهاد بعد وفاة النبي.
• أمومة الأئمة المعصومين، وحمل لواء الامتداد الروحي للنبوة.
3. البعد الاجتماعي والإنساني:
كونها «سيدة نساء الأمة» يعني أنها نموذج في الأخلاق، و معيار للمرأة المسلمة، و قدوة للعلم والعفة والزهد، و مشاركة رسالية في دعم النبي (صلى الله عليه وآله) داخل الأسرة، وهو موقع بالغ




