﴿وَالوالِداتُ يُرضِعنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلَينِ لِمَن أَرادَ أَن يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
وصلتني رسالة على الخاص من إحدى الأمهات:
دكتور، ابنتي ستكمل ٥ شهور خلال أيام. من الولادة كانت تأخذ حليبًا صناعيًا إضافة إلى الرضاعة الطبيعية لأنها لم تكن تكتفي بالرضاعة فقط.
الآن أصبحت تفضل الرضاعة الطبيعية، وأشعر أنها بدأت تكره طعم الحليب الصناعي. المشكلة أنها لا تشبع جيدًا؛ تظل ترضع فترات طويلة، وعندما أعطيها الحليب الصناعي ترفضه أو تشرب ٦٠ مل فقط ثم تتوقف.
جرّبت أن أغيّر نوع الحليب لعلّ الطعم يختلف، لكن ما تغيّر شيء.
هذه الرسالة دفعتني لكتابة هذا الموضوع.
نداءٌ صامت يخرج من صدر طفلٍ صغير، فيملأ قلب أمه يقينًا
كأنَّ الطفل، وهو بعدُ لا يعرف الكلام، يملك لغةً أبلغ من كل اللغات؛ لغة العين حين تلمع، والفم الصغير حين يبحث، واليد التي تتشبّث بقميص الأم كأنها تقول:
«لا تُجبِريني على ما لا أريده… فصدركِ هو المذاقُ الذي تطمئنّ له روحي.»
«لا تسقيني ما يربكني… فحليبكِ هو الأمان الذي أعرفه.»
«لا تقدّمي لي ما تنفر منه فطرتي… فقد اختار قلبي حليبكِ قبل أن أنطق.»
«لا تشرحِي لي الطعوم… فقد عرفتُ مذاق الطمأنينة فيكِ وحدك.»
عندما يقترب الطفل من صدر أمّه، لا يقترب ليأكل فقط؛
بل يقترب ليعيش، فالرضاعة ليست مجرّد تغذية، بل إنها لحظة يُعاد فيها تشكيل الطفل من جديد: جهاز مناعته يقوى، جهازه العصبي يهدأ، نبضه يستقر، دماغه ينمو، وروحه تتعلّم أول معنى للأمان.
الحليب الصناعي قد يغذّي المعدة، لكن حليب الأم يغذّي الحياة نفسها.
حليب الأم ليس “وجبة”؛ بل إنّه علاج، ودفء، ووقاية، وحنان، ومشاعر، وتاريخ من ٩ أشهر عاشها الطفل تحت قلبها.
علميًا:
• كل رضعة تحمل أجسامًا مضادّة تتغيّر حسب مرض الطفل واحتياجاته.
• وكل شهرٍ من الرضاعة يضيف طبقة حماية من الالتهابات والأمراض التحسسيّة.
• يحتوي الحليب على هرمونات مهدئة تساعد الطفل على الاسترخاء والنوم
•وكل تلامسٍ بين الجلدين يبني منظومة عاطفية متوازنة تستمرّ حتى كِبَر الطفل.
لكن الطفل لا يعرف الكلمات، فيقولها بطريقته:
«لا أريد عبوة بلا قلب… ولا حليبًا لا يعرفني…
أنا أريد الحليب الذي خلقه الله لي باسمي، بصورتي، بحاجاتي، داخل جسدك أنتِ.»
يا أمّي…
حين يشتدّ عليك الإرهاق، وتكثر عليك النصائح المتناقضة، تذكّري شيئًا واحدًا: طفلك لا يطلب الكمال، ولا يريد أمًا خارقة، ولا يقارن بينك وبين أحد… هو يريد قربك.
يريد حضنك الأكثر أمانًا، وصوتك الأكثر سكينة، ورضعتك التي لا يشبهها شيء في العالم.
وحتى في أصعب أيامك، حين تشعرين أنك مرهقة أو قليلة الحليب، يقترب الطفل منك ليرسل رسالة صامتة:
«لا أريد بديلًا… أريدك أنت، أريد دقات قلبك تسمعني أن الدنيا بخير، أريد رائحتك التي أعرفها منذ كنت جنينًا،
أريد ذراعيك اللتين خلقتا لتحتضناني.»
الرضاعة… ليست فعلًا جسديًا فقط، بل صلاة حبّ تمتد بين صدرٍ صغير وصدرٍ أكبر.
هي رابطة تبقى للأبد، لا تنتهي حين يفطم الطفل، بل تظلّ أثرًا في روحه، وذكريات في جسده، وقوةً في مناعته، وطمأنينةً في شخصيته.
أمّي… أرجوك:
لا أريد حليبًا صُنع في مصنع… أريد حليبك الذي صُنع لي في قلبك.
لا أريد زجاجةً باردة… أريد صدرك الحيّ.
لا أريد بديلاً… أريدك أنتِ.




