أولاً: تمهيد
يُمثّل الأديب والقاص حسين علي حسين (رحمه الله تعالى)(ولد سنة 1947م-2025م) تجربة سردية لافتة في الأدب العربي الحديث، ارتكزت على فن القصة القصيرة بوصفها أداة وعي إنساني وتكثيف جمالي، مع انفتاح محسوب على السرد الروائي. وقد اتسم مشروعه الإبداعي بالاقتصاد الفني، والعمق الدلالي، والابتعاد عن الخطابية والمباشرة، ما جعله من الأصوات التي آثرت الرؤية على الانتشار.
ثانيًا: السيرة و( المعطيات )
تشير المعطيات المتاحة في الأوساط الثقافية إلى أن حسين علي حسين نشأ في بيئة عربية محافظة، (المدينة المنورة) أسهمت في تشكيل وعيه الأخلاقي والاجتماعي. تلقّى تعليمه النظامي، وارتبط مبكراً بالقراءة والكتابة الأدبية، ولا سيما السرد القصصي. كما عمل في مجالات قريبة من الشأن الثقافي أو التعليمي، وهو ما انعكس على نضج رؤيته وهدوء أسلوبه.
أما على المستوى الأسري، فقد كان متزوجًا وله أبناء، وحرص على إبقاء حياته العائلية بعيدة عن الأضواء -(أكبر ابنائه الأستاذ عبد العزيز وإخوانه واخواته)- وهو خيار واعٍ يعكس فصلًا مقصودًا بين التجربة الإبداعية والحياة الخاصة. ويظهر أثر هذا البعد الإنساني في نصوصه من خلال اهتمامه بالعلاقات الاجتماعية والقلق الأخلاقي دون تحويل السيرة الشخصية إلى مادة سردية مباشرة.
ثالثًا: موقعه بين كتاب القصة القصيرة {المشهد السردي}
ينتمي حسين علي حسين إلى تيار سردي يمكن توصيفه بـالواقعية التأملية، وهو تيار يركز على الإنسان بوصفه محور الحكاية، وعلى التفاصيل اليومية بوصفها مدخلًا لطرح الأسئلة الوجودية الكبرى. وتقوم كتابته على الهدوء، والتكثيف، وبناء المعنى عبر الإيحاء لا التصريح. وقد وصفه الكاتب المرحوم عابد خزندار فكتب [ أن حسين علي حسين قاص فنان بكل ما في الكلمة من معنى، أنه صانع ماهر يمتلك جميع الأدوات اللازمة لصناعته]
رابعًا: انتاجه الفكري {توثيق الأعمال الإبداعية}
أصدر حسين علي حسين عددًا من المجموعات القصصية التي تمثل تطورًا فنيًا وزمنيًا في تجربته، وهي:
ترنيمة الرجل المطارد – 1403هـ.
طابور المياه الحديدية – 1405هـ.
كبير المقام – 1407هـ.
رائحة المدينة – 1414هـ.
المقهى – 1434هـ.
مزيكا – 1435هـ.
وجوه الحوش – من أواخر أعماله الإبداعية، وتمثل خلاصة فنية لتجربته القصصية.
رواية على حافة اليمامة – 1435هـ، وهي عمل سردي طويل حافظ فيه الكاتب على روحه القصصية، مع توسيع الفضاء المكاني والتحليل النفسي للشخصيات.
خامسًا: قراءة نقدية(مختصرة) في المجموعات القصصية
تنشغل قصص حسين علي حسين بثيمات الاغتراب النفسي، وهشاشة العلاقات الاجتماعية، وصراع الفرد مع ذاته ومع محيطه.وتُقدَّم هذه القضايا عبر مواقف يومية عادية تتحول سرديًا إلى لحظات كشف إنساني، بعيدًا عن المباشرة أو الوعظ.
تعتمد قصصه على حبكة هادئة، وتصاعد نفسي داخلي، ونهايات مفتوحة أو موحية، بما يمنح النص عمقًا تأويليًا ويجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى2.
لغة حسين علي حسين واضحة وغير متكلفة، تميل إلى الجملة القصيرة المكثفة، وتعمل بوصفها أداة كشف نفسي لا وسيلة للزخرفة البلاغية. ويظهر الانسجام واضحًا بين اللغة والرؤية الفكرية للنص.
تأتي شخصياته مألوفة في ظاهرها، لكنها مركبة نفسيًا في داخلها، وتمثل نماذج إنسانية عامة تتجاوز حدود المكان والزمان، وهو ما يمنح نصوصه بعدًا إنسانيًا كونيًا.
سادسًا: في الرواية
في رواية على حافة اليمامة، يتجلى وعي مكاني واضح، واهتمام بالتحليل النفسي، واستمرار لروح القصة القصيرة داخل البناء الروائي. وتبدو الرواية امتدادًا طبيعيًا لمشروعه السردي، لا قطيعة معه.
تعد رواية "وجوه الحوش" للأديب السعودي الراحل حسين علي حسين واحدة من أبرز الأعمال السردية التي أرخت للوجدان الشعبي في المدينة المنورة . ببراعته المعهودة، استطاع الكاتب أن يحول "الحوش" من مجرد مساحة معمارية إلى بطل درامي يفيض بالحياة.
الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي سجل أنثروبولوجي يصورالحياة الاجتماعية قبل عقود طويلة. تدور الأحداث داخل "الأحواش" المدينة القديمة (حوش ابو طافش - اغا المستسلم(2) ، وحوش الأجاوزة والشريف والصعيدية ....الخ )، حيث تبرز تفاصيل العمارة، والأزقة، والروائح، والأصوات التي كانت تشكل هوية المدينة المنورة.
الرواية تركز على "الوجوه" بكل ما تحمله من ملامح إنسانية. يبرع الكاتب في تصوير:
"نقتفي في حياتنا أثر وجوهٍ وشخصيات، نُقشت مواقفهم وحكاياهم في ذاكرة الأيام. كان سوادهم الأعظم يلوذ بالظل، لا يتجاوز صدى سيرتهم جدران أفنيتهم الضيقة، وكأنهم طيوفٌ عابرة. غير أن قلةً منهم صَنعت لنفسها جسوراً مع الآخرين، يتصدرهم العمدة ووكيله، ومعهم النقيبُ القابضُ على زمام الحراسة والعسس."
قسم الكاتب روايته إلى عناوين، فجاءت تحت ستة عشر عنواننا أو ( صوتاً)، وقد حمل كل عنوان اسما لإحدى الشخصيات الرئيسية في الرواية بهدف جذب المتلقي للمتابعة أو بقصد تقوية عرى الحبكة الروائية والتعبيربموضوعية عن البيئة المحيطة بالشخصية.
-وجه الحوش، ٢/ الريم ، ٣/ الزينبي. ٤/ هلالة. ٥/ مقبول. ٦/ الشيخ. ٧/ فرج. ٨/ مريم. ٩/ أبو ركبة. ١٠/ معصومة .١١/ نواب. ١٢/ غلوم والنوري . ١٣/ فضة . ١٤/ رجب . ١٥/ ابو جبل . ١٦/ عواد . من يقرا الروايةيعرف تماما الابطال الاصليين الذين يتحدث عنهم الراوي واختار لهم أسماء رمزيه....
"يتوسط الحوشُ هذا العالمَ الصغير، فضاءً فسيحاً تحيط به البيوت من كل جانب كأنها سورٌ من الحكايا. هو ساحةٌ يتبدل شكلها بين المربع والمستطيل، لكنها تظل دائماً المستقرَّ الذي يجمع الأهل. لا ينفذ إليه الغرباء إلا عبر مدخلٍ وحيد، يحرص على خصوصية المكان، بينما تتفرع من زواياه تلك الأزقة الضيقة، أو ما نسميها (نحن شقة)، التي تحمل في أسمائها عبق الرعيل الأول الذين وضعوا لبناتها الأولى."
عدد صفحات الرواية أو النص المكتوب ٣٢٨ صفحة من 351صفحة ،هناك ٢٣ صفحة.
استخدم حسين علي حسين لغة تجمع بين الشاعرية والواقعية، مع دمج مفردات من اللهجة المحلية لتعزيز الانغماس في البيئة. تميز السرد بالدفء الإنساني الذي يجعل القارئ يشعر وكأنه يسير في تلك الأزقة ويسمع حكايات كبار السن.
سابعًا: القيمة الأدبية {للتجربة}
تكمن أهمية حسين علي حسين في إخلاصه للفن القصصي، والتزامه بالصدق الفني، وإيمانه بأن الأدب فعل وعي ومسؤولية. وقد شكّل منجزه إضافة نوعية للسرد العربي الحديث، لا من حيث الكم، بل من حيث العمق والرؤية.
خاتمة
تمثل تجربة حسين علي حسين نموذج الأديب الذي راهن على الهدوء الفني والتأمل الإنساني، فترك أثرًا سرديًا راسخًا يبرر حضوره في الدراسات النقدية المعاصرة، ويؤكد قدرة القصة القصيرة على حمل الأسئلة الكبرى بأدوات فنية مقتصدة.
ما كنت أتمناه -وسبق لي وأن دعوت إلى تحقيقه- قام به الكاتب الكبير حسين علي حسين عندما أبدع في إصدار روايته الخالدة وجوه الحوش التي كتبها وجسد فيها تاريخ الحارة قبل حوالي المائةوالخمسين عاما عن شخصيات من أبناء الطائفة من منظورين تاريخي ومنظور واقعي للحفاظ على بعض ما تختزنه الذاكرة لدى هؤلاء البسطاء الذين تفردوا في الكثير من الصفات وكان لهم المواقف الخالدة وامتلكوا المواهب المتنوعة في شتى نواحي الحياة فكان منهم العلماء والشيوخ والشعراء والحرفيين .. الخ .فهم مجتمع مديني مستقل ثقافياً [ حارة النخاولة ] داخل المجتمع المديني الكبير وقد نجح الكاتب الكبير في توثيق والحفاظ الحارة ومعالمها في روايته الممتعة التي تحمل أسماء الأحوشة والأزقة التي يعيش داخلها أبناء الطائفة الكريمة مثلاً حوش الصعيدية أو حوش الجديد أو الأغا ودولات والأجاوزة .... الخ. ترجم فيها للكثير من الأوضاع خاصة والأمور الحياتية اليومية للأسرة ، بغض النظر عن اي شيء آخر، فالعمل الجيد يفرض نفسه بالرغم من مردوده المالي الضعيف أو قُل دون أي فائدة مادية إلا أن قيمته المعنوية والأدبية سوف تكون متميزة .
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل أثره الأدبي شاهدًا له في ميزان الإبداع الصادق.
------------------
هامش
الاسم : يوسف ناشي احمد ناشي الفار
المهنة : متقاعدًا
الخبرات: بكالوريوس تاريخ
جامعة الملك سعود سنة 1402ه
موظف في وزارة الإعلام 1403- 1435ه
الرقابة الاعلامية - الكتب -الصحف والمجلات - ادارة النشر - الادارة العامة لحماية حقوق المؤلف



