وجود الإمام المهدي لطف وظهوره لطف آخر:قراءة عقدية وروحية في فلسفة الغيبة والانتظار
ليست عقيدة الإمام المهدي فكرة تاريخية مؤجلة ولا انتظاراً عاطفياً لحدث قادم فحسب، بل هي حقيقة حيّة متصلة بوعي الأمة ومسيرتها اليومية، فالإمام ليس اسماً في كتب العقائد، ولا أملاً بعيداً في آخر الزمان، بل هو حضور مستمر في مشروع الهداية الإلهية، ومن هنا جاءت العبارة العميقة التي لخّص بها العلماء هذه الحقيقة: وجوده لطف وظهوره لطف آخر.
هذه العبارة على قصرها، تختصر فهماً كاملاً لمعنى الإمامة ولمغزى الغيبة ولمسؤولية الانتظار، فهي تقول لنا إن العناية الإلهية لا تنقطع، وإن الأرض لا تُترك بلا هادٍ وإن التاريخ ليس متروكاً للفوضى.
معنى اللطف في الرؤية الإيمانية:
اللطف هو كل ما يقرّب الإنسان من الطاعة ويبعده عن المعصية، ويهيّئ له طريق الهداية دون إكراه أو قسر، هو عناية خفية تسند الإنسان، وتفتح له أبواب الخير وتمنع عنه الضياع.
فالله بحكمته وعدله لا يترك خلقه بلا حجة، ولا يكلهم إلى أنفسهم تماماً، بل يجعل في كل عصر دليلاً ومرشداً وحافظاً لمسار الدين.
أولا وجوده لطف:
حتى في زمن الغيبة يبقى وجود الإمام المهدي لطفاً عظيماً للأمة، وإن لم تُبصره العيون لأن اللطف لا يشترط الظهور بل يكفي فيه الأثر.
حفظ خط الهداية:
وجود الإمام يعني أن الأرض لم تخل من الحجة، وأن سلسلة الهداية لم تنقطع، فهناك من يحمل العلم الإلهي ويحفظ الشريعة من التحريف، ويصون مسار الحق من الاندثار، وهذا الوجود بحد ذاته ضمان لبقاء الدين واستمراره.
الأمان الروحي للأمة:
الإيمان بوجود إمام حي يورث في القلب طمأنينة عميقة بأن العالم ليس مهملاً، وأن الظلم ليس هو الكلمة الأخيرة، وأن هناك عيناً راعية وقلباً يحمل هم الأمة، وهذا الشعور وحده لطف لأنه يقتل اليأس ويزرع الأمل.
التربية على المسؤولية:
الغيبة ليست فراغاً، بل امتحان وتربية فهي تدفع الأمة إلى أن تتحمل مسؤوليتها، وأن تجتهد في فهم دينها وأن تبني نفسها من الداخل، فلا تتكئ على المعجزات، ولا تنتظر الحلول الجاهزة، وبهذا تنضج وتستعد لمرحلة الظهور.
اللطف الخفي:
كما أن الشمس خلف السحاب لا تُرى، لكنها تمنح الدفء والنور، كذلك الإمام في غيبته قد لا نراه، لكن آثار وجوده في حفظ الدين وتسديد الصالحين ودفع البلاء عن الأمة كلها شواهد على لطف خفي يعمل بصمت لكنه لا يتوقف.
ثانيا ظهوره لطف آخر:
إذا كان وجوده لطفاً خفياً، فإن ظهوره لطف ظاهر شامل تتجلى فيه الرحمة الإلهية بأوضح صورها.
إقامة العدل:
الظهور يعني نهاية عصور الظلم، وبداية مرحلة القسط حيث تعود الحقوق إلى أهلها، ويُقام ميزان العدالة في الأرض، فتتحقق الفطرة الإنسانية التي تنشد العدل الكامل.
اكتمال الهداية:
في زمن الغيبة نهتدي بالعلماء والاجتهاد، أما في زمن الظهور فالهداية مباشرة من الإمام، فتزول الشبهات وتنكشف الحقائق، ويجتمع الناس على كلمة واحدة، ويصفو الدين من الاختلاف.
تحقق الأمل الإنساني:
ظهوره ليس حدثاً سياسياً فقط، بل تحقيق لوعد إلهي بأن الحق سينتصر، وأن التاريخ له غاية وأن مسيرة البشر ليست عبثاً، بل متجهة نحو اكتمال الخير، وهذا هو اللطف الأكبر الذي تنتظره القلوب المؤمنة.
العلاقة بين اللطفين:
وجود الإمام وظهوره مرحلتان متكاملتان لا متعارضتان:
وجوده يحفظ الدين، وظهوره يُظهر الدين.
وجوده يربّي الأمة، وظهوره يقطف ثمرة التربية.
وجوده يبقي الأمل حياً، وظهوره يحقق هذا الأمل واقعاً.
فكلاهما عناية إلهية مستمرة تتبدل صورتها لكن لا ينقطع أثرها.
البعد التربوي للعقيدة:
الإيمان بأن وجود الإمام لطف وظهوره لطف آخر يصنع في النفس توازناً عجيباً، فهو يعلّم الصبر دون يأس والعمل دون سلبية والانتظار دون ركود، فالمنتظر الحقيقي لا يجلس مترقباً، بل يصلح نفسه ويخدم مجتمعه، ويهيئ الأرض للعدل القادم، لأنه يعلم أن الظهور وعد لكنه يحتاج إلى أمة مستعدة.
الخلاصة:
ليست الغيبة حرماناً ولا الظهور مفاجأة بل كلاهما رحمة؛ وجود الإمام لطف يحفظ المسارً، وظهوره لطف يكمّل المسار.
وجوده يعلّمنا الثبات، وظهوره يريْنا ثمرة الثبات.
وهكذا تبقى عقيدة الإمام المهدي مدرسة يومية في الأمل والعمل والارتباط بالله، تذكّرنا دائماً بأن العناية الإلهية لا تغيب، وأن الأرض ما دامت قائمة فلن تُترك سدى، بل يحفّها لطف الله ظاهراً حيناً وخفياً حيناً لكنه لا ينقطع أبداً.



