حين نتحدث عن الإمام محمد بن الحسن المهدي بوصفه حاضرًا في قلب الوجود، ولطفًا إلهيًا دائمًا في حياة الأمة، يبرز سؤال يتكرر في الأذهان
إذا كان وجوده رحمة وهداية، فلماذا لا يكون ظاهرًا بين الناس؟ ولماذا يعيش ضمن إطار الغيبية؟
هذا السؤال مشروع، لكنه يفترض أن الظهور هو الصورة الوحيدة للفاعلية، بينما التجربة الإيمانية تعلّمنا أن الحضور قد يكون خفيًا لكنه أعمق أثرًا وأدقّ حكمة. فالغيبة ليست فراغًا، ولا انقطاعًا، بل تدبيرًا إلهيًا مركبًا يجمع بين الحفظ والتربية والتمهيد.
ليست عقيدة الإمام المهدي فكرةً مؤجلة إلى آخر الزمان، ولا انتظارًا لحدثٍ تاريخيٍّ قادم فحسب، بل هي قبل ذلك حقيقة وجودية حيّة تشكّل جزءًا من الوعي الإيماني للأمة. فالإمام ليس رمزًا للمستقبل فقط، بل حضورٌ مستمر في الحاضر، ونورٌ ممتدّ في عمق الواقع، ولطفٌ إلهيٌّ متصل لا ينقطع.
ومن هنا نفهم المعنى العميق للقول إن الإمام محمد بن الحسن المهدي، عليه السلام، موجودٌ في قلب الوجود، بين الناس، وإن كان ضمن إطار الغيبية. فغيابه عن الأبصار لا يعني غيابه عن التأثير، وخفاؤه عن العيون لا يعني خلوّ الأرض من بركته.
الغيبة حفظٌ للمشروع قبل أن تكون غيابًا للشخص:
التاريخ الإسلامي يشهد أن خط الإمامة كان دائمًا مستهدفًا.
فكل إمام حمل مشروع الإصلاح واجه السجن أو المطاردة أو القتل. لأن وجود القيادة الإلهية الصادقة يُقلق كل سلطة ظالمة، ويهدد كل نظام قائم على الفساد.
والإمام المهدي ليس قائد مرحلة محدودة، بل حامل مشروع التغيير الشامل للإنسانية كلها، مشروع إقامة العدل العالمي. أي أنه ليس خصمًا لحاكم أو نظام فقط، بل تهديد لكل منظومات الظلم في الأرض.
فلو ظهر قبل أوانه، وفي زمن لم تتهيأ فيه الظروف، لتكاثرت عليه قوى الباطل، ولسعت إلى اغتياله أو القضاء على مشروعه في مهده. وعندها تخسر الأمة قائدها وتخسر البشرية فرصة الإصلاح الكبرى.
ومن هنا كانت الغيبة حفظًا إلهيًا للقيادة نفسها.
فالله الذي ادخر هذا الإمام لدورٍ مفصلي في التاريخ، تكفّل بحمايته حتى يحين الوقت المناسب.
فالغيبة إذن ليست خوفًا بشريًا، بل صيانة ربانية لمشروع إلهي عظيم.
الغيبة ليست عدمًا بل نوعٌ آخر من الحضور:
كثيرًا ما يُساء فهم الغيبة، فيُتصوَّر أنها غيابٌ كامل أو انقطاعٌ عن العالم، بينما الحقيقة أن الغيبة في المفهوم العقدي ليست عدمًا، بل حضورٌ بطريقة مختلفة.
فالإمام يعيش بين الناس، يراهم ويعرف أحوالهم، ويشاركهم واقعهم، لكن دون أن تُعرف هويته. إنه غائبٌ عن التعريف لا عن الوجود، وخفيٌّ عن الشهرة لا عن التأثير.
تذكر المصادر المعتبرة في التراث الشيعي شواهد كثيرة عن لقاءات حصلت بين الإمام وبين أفراد من الأمة، بعضهم من العلماء والصلحاء، وبعضهم من عامة الناس.
فهناك من نُقل عنهم أنهم التقوه في مواقف شديدة أو في أوقات حاسمة، فأرشدهم أو أنقذهم أو وجّههم، ثم اختفى عنهم بعد أداء دوره.
وهذه اللقاءات لم تكن ظاهرة عامة ولا علاقة علنية، بل كانت لقاءات خاصة محدودة، تحصل لحكمة إلهية وفي ظروف استثنائية، لتبقى الغيبة قائمة، ويبقى الامتحان مستمرًا، فالحضور موجود، لكن دون أن يتحول إلى ظهور شامل.
وهذا المعنى يقرب إلى أذهاننا مثال الشمس خلف السحاب. فهي لا تُرى مباشرة، لكن ضوءها ودفئها يملآن الأرض. كذلك الإمام، قد لا نراه، لكن آثار وجوده ممتدة في حياة الأمة.
وهناك مؤلفات تناولت بعض تلك اللقاءات ومن بينها " جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة عليه السلام" أو أليف خاتمة المحدثين آية الله الشيخ ميرزا حسين النوري قدس سره.
وجوده لطف إلهي دائم:
اللطف الإلهي هو كل ما يقرب الإنسان من الهداية ويحفظه من الضلال. ومن أعظم صور هذا اللطف أن لا تخلو الأرض من حجة لله.
فوجود الإمام يعني أن خط الهداية لم ينقطع، والدين لم يُترك بلا راعٍ، و أن الأمة ليست متروكة للفوضى.
إن مجرد وجوده ضمانة روحية ومعنوية بأن العناية الإلهية لا تزال تحيط بالعالم.
فالناس قد لا يشعرون بذلك مباشرة، لكنهم يعيشون في ظل هذا اللطف الخفي، الذي يحفظ التوازن، ويمنع الانهيار الكامل، ويسدّد مسيرة الصالحين.
الإمام بين الناس لا بعيدًا عنهم:
من المعاني الجميلة في عقيدة الغيبة أن الإمام ليس في عالمٍ آخر أو مكانٍ معزول، بل هو بين الناس، يعيش واقعهم، يعرف آلامهم وآمالهم.
وهذا القرب يمنح الفكرة بعدًا إنسانيًا عميقًا. فالإمام ليس أسطورة بعيدة، بل إنسان حيّ، يتألم لألم الأمة، ويحمل همومها، ويرتبط بها ارتباط الراعي برعيته.
فوجوده بين الناس يعني أن الهداية ليست نظرية، بل واقعية، وأن القيادة الإلهية ليست فكرة ذهنية، بل حقيقة حاضرة.
الغيبة تربيةٌ للأمة لا تعطيلٌ لدورها: صناعة الإنسان المسؤول في زمن الانتظار
في زمن الغيبة لا يرى الناس الإمام بأعينهم، لكنهم مطالبون بالطاعة والثبات وكأنهم يرونه، وهنا يظهر الصدق الحقيقي.
فالإيمان لا يقوم على المشاهدة، بل على اليقين، والطاعة لا تكون لأن القائد حاضر يراقب، بل لأن الضمير حيّ، والاستقامة لا تنبع من رهبة السلطة، بل من مراقبة الله.
وهذا أرقى أنواع التربية الروحية، لأن الإنسان يلتزم بدافع داخلي لا خارجي.
فالغيبة تربي في المؤمن الاعتماد على النفس في الطاعة، وتحمّل المسؤولية الفردية والجماعية، والعمل دون انتظار المعجزات، والثبات على المبدأ حتى في غياب الرمز الظاهر
، فيتعلم أن الإصلاح يبدأ منه، لا من غيره.
فالمؤمن لا يقول سأصلح إذا ظهر الإمام، بل يقول يجب أن أُصلح نفسي الآن لأكون أهلًا لنصرته
وهكذا تتحول عقيدة الانتظار من حالة سكون إلى حالة عمل. ليس انتظارًا قاعدًا، بل انتظارٌ يعمل، وليس ترقبًا خاملاً، بل بناءٌ متواصل، وليس تأجيلًا للإصلاح، بل إصلاحٌ يبدأ من اللحظة الحاضرة. انتظارٌ يزرع الوعي ويبني الإنسان ويهيئ الأرض للعدل القادم.



