مدخل إشكالي
تُعدّ مسألة الخلق وغايته، وسؤال المعاناة والتعب في الحياة، من أعمق الأسئلة الوجودية التي تواجه الإنسان في لحظات صفائه أو أزماته. ويزداد هذا السؤال حدّة حين يُقرّ العقل الإيماني بأن الله سبحانه غنيٌّ مطلق، لا يحتاج إلى خلقه، فيُطرح التساؤل المشروع: لماذا خلقهم إذًا؟ وما الحكمة من إلقاء الإنسان في حياة يغلب عليها التعب والعناء؟ بل كيف يُجاب عن إنسان يصل إلى مرحلة يقول فيها: أنا لا أريد أن أعيش، من دون تسطيح أو قسوة أو تهرّب من الإشكال؟
هذا المقال يحاول معالجة هذه الأسئلة معالجة عقلية – قرآنية – روائية، وفق منهج أهل البيت عليهم السلام، بعيدًا عن التبرير السطحي أو الوعظ المجرد.
أولًا: الخلق بين الغنى الإلهي والتفضّل بالوجود
السؤال عن الخلق في ظل الغنى الإلهي يبدو في ظاهره منطقيًا، لكنه يحتاج إلى تصحيح زاوية النظر. فالغنى لا ينافي الفعل، بل الحاجة هي التي تُنقص الفاعل، أمّا الفعل الصادر عن التفضّل والفيض فهو كمال.
الله سبحانه غنيٌّ عنّا، لكنّه ليس بخيلًا بالوجود. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين:
• من يُنشئ الشيء لحاجةٍ إليه
• ومن يُفيض الوجود تفضّلًا وكمالًا
وقد ورد هذا المعنى بوضوح في كلام مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام في خطبتها الفدكية، حيث قالت:
«.. ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتًا لحكمته، وتنبيهًا على طاعته، وإظهارًا لقدرته، تعبّدًا لبريته، إعزازًا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، زيادةً لعباده من نقمته، وحياشةً لهم إلى جنته..» (١)
هذا النص يضع الخلق في إطاره الصحيح: فعل حكيم، لا فعل حاجة.
ثانيًا: حدود العقل وإمكان الفهم العقلي للخلق
عند الانتقال إلى السؤال العقلي: كيف نفهم أن الخلق كان تفضّلًا لا حاجة؟ لا بد أولًا من الإقرار بحقيقة معرفية أساسية، وهي أن العقل المحدود لا يُحيط باللامحدود. فإدراك كنه الذات الإلهية أو أفعاله على نحو الإحاطة أمر محال، وقد نُهينا عن الخوض فيه ابتداءً، كما قال تعالى:
﴿ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ (الأنبياء: 23)
غير أنّ هذا لا يعني إسكات السؤال أو الهروب منه، بل يعني ضبطه ضمن قدرات العقل. فالعقل نفسه يسلّم بوجود حقائق يعجز عن تفسير عللها التفصيلية، مع إيمانه بواقعيتها. وعليه، فعدم معرفة العلّة التفصيلية لا يبرّر رفض الحقيقة.
من هنا نفهم أن الخلق قد يكون:
• لإظهار الكمال
• أو لإقامة نظام متكامل
• أو لتحقيق غاية تتعلّق بالمخلوق لا بالخالق
وقد صادق القرآن هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ (القمر: 49)
وقوله عزّ وجلّ:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ (فاطر: 15)
فالله غنيٌّ بذاته، والخلق فقراء بوجودهم.
وللتقريب العقلي: هل تضيء الشمس لأنها تحتاج إلى من يضيء لها؟ أم لأنها تشعّ لأن الإشعاع من طبيعتها؟ كذلك كمال الله يفيض وجودًا، لا عبثًا.
وقد ورد عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام:
«إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثًا ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته، وليكلّفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد» (٢)
ثالثًا: لماذا الحياة متعبة؟
ينشأ هذا السؤال من تصوّر خاطئ لطبيعة الدنيا. فالدنيا ليست دار راحة، بل ساحة تكوين وابتلاء. وقد صرّح القرآن بذلك بوضوح:
قال تعالى:﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ (العنكبوت: 2)
وقال تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ (المؤمنون: 115)
فلو كانت الحياة بلا ابتلاء، لانتفى معنى الغاية والرجوع والجزاء. ولذلك قال سبحانه:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ (البلد: 4)
والكبد هنا ليس عقوبة، بل مسار صعود. تعبٌ يصنع الإنسان، لا يكسره.
ومثال ذلك الولادة: لماذا يتألم الجنين عند خروجه من الرحم؟ لأن الرحم مرحلة، لا غاية. وكذلك الدنيا.
رابعًا: حين يقول الإنسان: لا أريد أن أعيش
في كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في الحياة ذاتها، بل في المعنى الذي قُدّم لها. فإذا صُوّرت الحياة على أنها استهلاك، أو سباق بلا نهاية، أو إثبات قيمة بالمال والسلطة، فمن الطبيعي أن يسأل الإنسان: لماذا أعيش؟
هنا يغيّر أهل البيت عليهم السلام السؤال من جذره. يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«إنما الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها» (٣)
الإنسان لم يُخلق ليحمل العبء وحده، بل ليسير ومعه معنى وغاية. والله سبحانه رحيم، لا يتأفف من الشكوى، ولا يملّ من الرجوع إليه.
خامسًا: لماذا الابتلاء أصلًا؟
لأن الحياة بلا اختبار لا تُنتج كرامة، وبلا اختيار لا تُنتج قيمة، وبلا حرية لا يتميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، عن الحسين بن علي عليهما السلام:
«أيّها الناس! إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه»
فقيل له: فما معرفة الله؟
قال: «معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته» (٤)
فالابتلاء ضرورة وجودية، وبدونه لا معنى للجزاء ولا للعدالة.
خاتمة جامعة
الله سبحانه لم يخلق الإنسان لأنه يحتاجه، بل لأنه أراد له أن يبلغ كماله الممكن. ولم يجعل الدنيا متعبة ليعذّبه، بل لأن روحه أكبر من راحة مؤقتة في زمن محدود. وإذا شعر الإنسان يومًا بأنه لا يريد الحياة، فغالبًا روحه لا ترفض الوجود، بل ترفض العيش بلا معنى.
وأهل البيت عليهم السلام لم يأتوا ليقولوا: اصبر فقط، بل ليقولوا: افهم دورك في الحياة، وسر ببصيرة.
وبذلك تكون العبادة عن وعي، والحياة عن معنى، والتعب طريقًا لا عبثًا.
✍️ زاهر حسين العبد الله
المصادر
(١) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج8، ط الكمباني، ص108–109.
(٢) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص9.
(٣) الخصال، 1/65/95 (10).
(٤) الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص9.



