من الدعاء عقيب كلّ فريضة في شهر رمضان كما ذكرته كتب الأدعية :
"يا عَليُّ يا عَظيمُ، يا غَفورُ يا رَحيمُ، أنتَ الرَّبُّ العَظيمُ الَّذي لَيسَ كَمِثلِهِ شيءٌ وَهُوَ السَميعُ البَصيرُ، وَهذا شَهرٌ عَظَّمتَهُ وَكَرَّمتَهُ وَشَرَّفتَهُ وَفَضَّلتَهُ عَلى الشُهورِ وَهُوَ الشَّهرُ الَّذي فَرَضتَ صيامَهُ عَلَيَّ وَهُوَ شَهرُ رَمَضانَ الَّذي أنزَلتَ فيهِ القُرآنَ هُدىً لِلناسِ وَبَيِناتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرقانِ، وَجَعَلتَ فيهِ لَيلَةَ القَدرِ وَجَعَلتَها خَيراً مِن ألفِ شَهرٍ فياذا المَنِّ وَلا يُمَنُّ عَلَيكَ مُنَّ عَلَيَّ بِفَكَاكِ رَقَبَتي مِنَ النّارِ فيمَنْ تَمُنُّ عَلَيهِ وَأدخِلني الجَنَّةَ بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ."
يُعدّ هذا الدعاء الرمضاني الذي يُقرأ بعد كل فريضة من الأدعية الجامعة التي تختصر روح شهر رمضان ومقاصده، إذ يجمع بين المعرفة بالله، وتعظيم الزمان، واستحضار نعمة القرآن، والرجاء في العتق والمغفرة. وهو دعاء قصير في ألفاظه، عميق في مساره التربوي، يبدأ بتعظيم الله وينتهي بطلب النجاة، وكأنّه رحلة روحية تتكرر بعد كل صلاة لتبقي القلب متيقظًا طوال الشهر.
يفتتح الدعاء بنداء يحمل توازنًا بديعًا بين الهيبة والرجاء: «يا عليّ يا عظيم، يا غفور يا رحيم». فاستحضار العلو والعظمة يولّد الخشوع ويوقظ شعور العبد بصغر نفسه أمام جلال الله، بينما استحضار المغفرة والرحمة يفتح باب الأمل ويمنع القلب من الوقوع في اليأس. بهذا الجمع يدرك الداعي أن الطريق إلى الله ليس خوفًا مجرّدًا ولا رجاءً منفلتًا، بل مزيجٌ يورث خضوعًا مطمئنًا وقربًا متواضعًا. ثم ينتقل الدعاء إلى توحيدٍ وتنزيهٍ يرسّخ معرفة المدعوّ قبل عرض الحاجة، فيقول: «أنت الرب العظيم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، فيتذكّر المؤمن أن الله هو المدبّر الذي لا يشبهه شيء، وأن دعاءه مسموع وضعفه مرئي، فيطمئن قلبه إلى أن مناجاته لا تضيع.
بعد هذا التأسيس العقدي يتجه الدعاء إلى تعظيم الزمان، فيستحضر شهر رمضان بوصفه هدية إلهية لا مجرد زمن عابر، فيقول: «وهذا شهر عظّمته وكرمته وشرّفته وفضلته على الشهور». والتدرّج في هذه الأوصاف يخلق حالة شعورية تتنامى فيها هيبة الشهر في قلب المؤمن، فيشعر أنه يعيش زمنًا مختلفًا يفيض بالفرص والرحمة. إن تعظيم الزمان هنا ليس وصفًا نظريًا، بل دعوة ضمنية للاستعداد والاستثمار، لأن من أدرك شرف الوقت سهل عليه أن يحسن العمل فيه.
ثم يربط الدعاء بين الصيام والقرآن، وهما قطبا التجربة الرمضانية، فيقول: «وهو الشهر الذي فرضت صيامه عليّ وهو شهر رمضان الذي أنزلت فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان». فالصيام يهيئ النفس ويخفف ثقل الشهوة، بينما القرآن يملأ القلب بالنور والهداية، وباجتماعهما تتحقق عملية التحول الداخلي التي أرادها الله من هذا الشهر. إن هذا الربط يذكّر المؤمن بأن الصيام ليس امتناعًا جسديًا فحسب، بل تهيئة لاستقبال خطاب الوحي والتفاعل معه بوعيٍ وحضور.
ويبلغ الدعاء ذروة الرجاء حين يستحضر ليلة القدر، فيقول: «وجعلت فيه ليلة القدر وجعلتها خيرًا من ألف شهر»، فتتسع آفاق الأمل أمام العبد؛ إذ يدرك أن في هذا الشهر لحظةً قد تعادل عمرًا كاملًا من العمل، وأن رحمة الله لا تُقاس بطول الزمن بل بفيض العطاء فيه. هذا الاستحضار يوقظ الشوق ويحرّك الهمة، فيتحول انتظار الليالي إلى حالة ترقّب محبّة لا إلى مجرد عادة زمنية.
بعد هذا التمهيد ينتقل الدعاء إلى غايته الكبرى، فيخاطب الله بعبارة مفعمة بالافتقار: «فيا ذا المنّ ولا يُمنّ عليك، مُنّ عليّ بفكاك رقبتي من النار». هنا يبلغ الدعاء عمق العبودية، إذ يعترف العبد بأن كل ما يناله من خير إنما هو منّة إلهية خالصة، وأن أعظم ما يُطلب هو النجاة. وصورة «فكاك الرقبة» توحي بحال الأسير الذي يطلب الحرية، فيشعر المؤمن أن ذنوبه قيود، وأن رحمة الله وحدها القادرة على تحريره. هذا المعنى يمنح الدعاء حرارة وجدانية عالية، لأن طلب العتق يتجاوز طلب النعمة إلى طلب السلامة والنجاة.
ويختم الدعاء بطلب الدخول إلى الجنة: «وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين»، فيجمع بين النجاة والفوز، إذ لا يكفي أن ينجو الإنسان من العذاب بل يطمح إلى القرب والنعيم. وختم الدعاء باسم «أرحم الراحمين» يعيد القلب إلى فضاء الرجاء الواسع، فيشعر الداعي أن أبواب الرحمة مفتوحة وأن الطريق إلى الله قائم على الفضل قبل العمل.
بهذا المسار المتكامل يصبح الدعاء أكثر من كلمات تُقال بعد الصلاة؛ إنه تجديد متكرر للعهد مع الله، وتذكير دائم بعظمة الشهر، وإحياء لرجاء العتق في قلب المؤمن. ومع تكراره بعد كل فريضة تتعمق معانيه في النفس، فيتحول إلى حالة شعورية ترافق الصائم طوال أيام رمضان، حتى يشعر أن كل صلاة ليست نهاية عبادة، بل بداية مناجاة جديدة وسؤال متجدد للرحمة والقبول. وهكذا يبقى القلب معلّقًا بين الخشوع والرجاء، مستظلًا برحمة الله، مترقبًا لحظة العتق التي وعد بها عباده في هذا الموسم المبارك.



