ورد في بحار الأنوار عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام):
«إن لجُمَع شهر رمضان فضلًا على جُمَع سائر الشهور كفضل رسول الله على سائر الرسل». (١)
هذا النص يفتح بابًا عميقًا للتأمل في طبيعة الأزمنة المباركة، وفي سرّ تضاعف الفضل حين يلتقي زمانان لهما قدسية خاصة، فيتحول الوقت إلى مساحة فيضٍ مضاعف، ويغدو الاجتماع العبادي فرصةً لا تتكرر.
إن يوم الجمعة في ذاته يومٌ اختصّه الله بمكانة رفيعة؛ فهو عيد الأسبوع، ومجتمع المؤمنين، ويوم الرحمة والدعاء والساعة المرجوّة للإجابة. وشهر رمضان بدوره شهر اصطفاه الله ليكون موسم تطهير القلوب، وتنزّل القرآن، واتساع أبواب المغفرة. فإذا اجتمع هذان الشرفان في زمان واحد، لم يكن الأمر مجرد تكرار للفضيلة، بل تضاعفًا نوعيًا في الأثر الروحي، حتى شبّه الإمام فضل جُمَع رمضان بفضل النبي الأكرم على سائر الرسل، وهو تشبيه يعبّر عن علوّ المرتبة وشدّة الامتياز.
هذا التشبيه النبوي يحمل دلالة تربوية عميقة؛ إذ لا يقتصر على بيان فضلٍ إضافي، بل يلفت إلى أن بعض الأزمنة تحمل قابلية خاصة لتغيير الإنسان. فكما كان رسول الله صلى الله عليه وآله مظهرًا جامعًا للرسالات، تجمع جُمَع رمضان بين معاني الاجتماع والعبادة والتوبة والذكر، فيغدو الزمن فيها أوسع من حدوده المعتادة، وأكثر استعدادًا لاستقبال الفيض الإلهي.
ومن لطائف هذا الفضل أن يوم الجمعة بطبيعته يوم اجتماع القلوب قبل اجتماع الأبدان، حيث تلتقي الدعوات وتتوحد النوايا، وتتحول العبادة الفردية إلى حالة جماعية تعزّز الشعور بالأخوة والقرب من الله. وعندما يقع هذا الاجتماع في شهر رمضان، فإن القلوب تكون أصلًا مهيّأة بالصيام، رقيقةً بالجوع، قريبةً بالذكر، فيصبح تأثير الجمعة أعمق، وكأن النفوس تقف في حالة صفاءٍ تجعلها أكثر قابلية للرحمة والاستجابة.
كما أن الجمعة زمن الدعاء والرجاء، وفي رمضان يتضاعف رجاء القبول، فتلتقي لحظة الطلب مع موسم العطاء، فيتولد شعور خاص بأن أبواب السماء أقرب، وأن الدعاء أصدق حضورًا. لذلك كان اغتنام هذه الجُمَع بالذكر والاستغفار والصلاة على النبي وآله وقراءة القرآن من أعظم ما يملأ قلب المؤمن طمأنينة، ويجعل الأسبوع الرمضاني يبدأ أو ينتهي بنفحة روحانية مميزة.
ومن البعد التربوي لهذا الحديث أن المؤمن يتعلم عدم التعامل مع الزمن بوصفه وحدات متشابهة، بل بوصفه فرصًا متفاوتة في القرب والفيض. فالأزمنة الشريفة ليست مجرد تفضيل نظري، بل دعوة عملية لزيادة الحضور، وتكثيف النية، وتعميق التوبة. ومن أدرك فضل جُمَع رمضان شعر أن كل جمعة فيها ليست مرور أسبوع، بل موعد لقاء خاص مع الرحمة.
وفي التجربة الوجدانية للصائم، تحمل جُمَع رمضان طعمًا مختلفًا؛ إذ تمتزج سكينة الصيام بنور الجمعة، وتلتقي لحظة الانكسار الداخلي مع لحظة الاجتماع العبادي، فيحسّ المؤمن أن قلبه أقرب إلى الصفاء، وأن دعاءه أكثر صدقًا، وأن ساعات اليوم أثمن من أن تُترك تمرّ بلا أثر. ولهذا فإن الحزن على انقضاء جُمَع رمضان يشبه الحزن على انقضاء لياليه، لأن المؤمن يشعر أنه فقد نافذةً واسعة من النور.
وهكذا يكشف كلام الإمام الباقر (عليه السلام) أن فضل جُمَع رمضان ليس مجرد زيادة ثواب، بل هو فرصة لتحوّل القلب، ومضاعفة الرجاء، وتجديد العهد مع الله في لحظة يجتمع فيها شرف اليوم وشرف الشهر. فمن وعى هذا المعنى لم يمرّ على جمعةٍ رمضانية مرور العادة، بل استقبلها بوعي الشوق، واستثمرها بحضور القلب، ورجا أن تكون له فيها دعوة لا تُردّ، وتوبة تُقبل، ونفحة تغيّر مسار حياته نحو القرب والرضا.
(١) بحار الأنوار - للعلامة المجلسي الجزء : 96 صفحة : 376



