مقدمة :
السيدة خديجة الكبرى عليها السلام
ليست سيدة صفحةً في السيرة، بل ركنًا تأسيسيًا في قيام الإسلام. فإيمانها لم يكن عاطفةً عابرة ولا موقفَ مجاملة، بل يقينًا سابقًا للحدث، وبصيرةً استبقت الوحي، وترجمت نفسها تضحيةً كاملة: بالمال، والجاه، والمكانة، والنفس.
فكانت مصداقاً لقوله تعالى { وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)}الحشر .
فسجلت أعلى درجات الإثار والوفاء والصدق والإيمان بالله سبحانه وتعالى وإلى نبيه الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم
إيمان يسبق الإعلان
عرفت السيدة الجليلة خديجةُ الكبرى (ع) صدقَ النبي الأعظم محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة، فآمنت بأمانته وعصمته، وحين جاء الوحي لم تتردّد لحظة؛ كانت أولَ من صدّق وآمن وآزر بكل وجودها زوجها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وشهد بذلك النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله حينما انتقدتها أحد زوجاته فأجب وقال لها :
«آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس» (١)
وهذا الإيمان المبكّر ليس شهادة تاريخية فحسب، بل ميزانُ معرفةٍ وبصيرةٍ جعلها ترى ما وراء الحدث، وتقرأ الرسالة قبل أن تتكامل مظاهرها.
المال… حين يصبح رسالة
كانت العظيمة خديجةُ الكبرى (ع) من أعظم أثرياء مكة، لكن ثروتها لم تبقَ ملكًا خاصًا؛ تحوّلت إلى وقودٍ للدعوة. أنفقت مالها كلَّه في نصرة الإسلام والمسلمين، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
«ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مالُ خديجة»(٢)
وفي حصار شِعب أبي طالب تجلّت التضحية بأبهى صورها؛ بُذلت الأموال لشراء القوت وحفظ الأرواح، حتى خرجت خديجةُ من الشعب وقد أرهقها الجهد واشتدّ عليها البلاء، وصاحبها المرض في بدنها ولم تهن ولم تضعف لكنها خرجت ثابتةَ اليقين بما وعد الله سبحانه من أجر الصابرين فكانت مصداق لقول الله تعالى { قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللَّـهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)}الزمر.
الجاه… حين يُوهَب لله
لم تكن السيدة العظيمة خديجةُ الكبرى (ع) امرأةَ مالٍ فحسب، بل صاحبةَ جاهٍ ومكانةٍ تُطمع أشرافَ قريش في أن ينالوا رضاها. ومع ذلك وهبت هذا الرصيد الاجتماعي للنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فصار جاهُها درعًا يحمي الرسالة في سنواتها الأولى. إنها تضحية بالرمزية والاعتبار الاجتماعي في مجتمعٍ شديد الحساسية للنفوذ والسمعة.
فكانت مصداقاً لقول أهل البيت عليهم السلام
فعن الصادق عليه السلام قال :
يا سدير* ما كثُر مالُ رجلٍ قطُّ إلاّ عظمت الحجّة لله عليه فإن قدرتم أن تدفعوها عن أنفسكم فافعلوا، فقال له : يا بن رسول الله . بماذا ؟ قال : بقضاء حوائج إخوانكم من أموالكم(٣) .
الصبر زادُها، واليقين ذُخرُها
حين اشتدّ الأذى، لم تتراجع؛ كان الصبر وقودها، والعلم بصدق الرسالة ذخيرة قلبها. لم تكن متلقّيةً للأحداث، بل شريكةً في حمل العبء، تؤنس زوجها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتشدّ أزره، حتى سمّي عام وفاتها «عام الحزن»، اعترافًا بثقل الفقد ومكانة الراحل.
شرف الذرية والبقاء
من أعظم كراماتها أن جعل الله ذرية النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها، فكان البقاء والامتداد من بيتها، وشرفُ الذكر مقرونًا باسمها إلى يوم الدين. وفي الجزاء الإلهي الذي خصه بالسيدة العظيمة خديجة الكبرى عليها السلام على لسان النبي النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال في حقها :
«إنّ الله بعثني ببشرى إلى خديجة: بيتٍ في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب»(٤)
وعنه أيضا عن عبد الله بن جعفر قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : خير نسائها خديجة بنت خويلد وخير نسائها مريم ابنت عمران وهذا حديث حسن صحيح .(٥)
كما تشرفت بسلام الله تعالى عبر جبرئيل (ع)، وهي منزلةٌ لا تُنال إلا بإيمانٍ بلغ غايته.
ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب) .(٦)
خاتمة
هكذا صنعت العظيمة خديجةُ الكبرى (ع) نموذج الإيمان العملي: تصديقٌ بلا تردّد، وتضحيةٌ بلا حساب، وصبرٌ بلا شكوى. فسلامٌ عليها يوم عاشت إيمانًا، ويوم ماتت يقينًا، ويوم تُبعث حيّةً في رضوان الله. لقد ربحت الصفقة الكبرى، وبقي ذكرُها شاهدًا أن الإيمان إذا خلص، صنع تاريخًا.
المصادر:
(١) السيدة فاطمة الزهراء (ع)، محمد بيومي مهران ، ص١٧٠.
(٢) السيدة فاطمة الزهراء (ع)، محمد بيومي مهران ، ص١٧٠.
(٣) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٧١، ص٣٠٢.
(٤) الجامع الصحيح: ج 5 ص 702 دار إحياء التراث العربي.
(٥) الجامع الصحيح: ج 5 ص 702 و 703 .
(٦) كتاب دروس للشيخ محمد حسان - الله سبحانه وتعالى يقرأ على خديجة السلام - ص4 - المكتبة الشاملة.



