بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
لقد رفع الله سبحانه وتعالى مقام العلم وأهله، وجعل للعلماء منزلة رفيعة، لما يحملونه من أمانة الهداية، ونور المعرفة، ومسؤولية إصلاح المجتمعات. يقول تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"، وهذه الدرجات ليست مجرد مراتب علمية، بل هي مراتب إيمانية وجهادية، تقترن بالعمل والإخلاص.
وعندما نتأمل في ما ورد من مضامين مثل: "علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل"، فإن الفهم الصحيح لها لا يكون على إطلاقه، بل يرتبط بشرطٍ أساسي، وهو أن يكون العالم عاملاً بعلمه، مخلصاً في نيته، مجاهداً في سبيل الله، داعياً إلى الحق، ثابتاً على المبادئ.
فليس المقصود كل من نال لقب "عالم" أو بلغ مرتبة علمية، بل المقصود هم العلماء الربانيون، الذين جمعوا بين:
العلم الذي يهدي إلى الحق
والعمل الذي يترجم هذا العلم واقعاً
والإخلاص الذي يطهر النية من الرياء
والدعوة التي تنشر الهداية بين الناس
هؤلاء هم الامتداد الحقيقي لرسالة الأنبياء، بل قد يُفَضَّلون في هذا المقام لما يتحملونه من مسؤولية نشر الدين في أزمنة الفتن، وبين مجتمعات قد ابتعدت عن منابع العقيدة، وأصبحت في أمسّ الحاجة إلى من يوقظ فيها روح الإيمان.
لكن… أين هؤلاء اليوم؟
هنا يقف الإنسان متسائلاً بمرارة:
نحن في زمنٍ كثرت فيه الألقاب، وقلّت فيه المعاني. قد يحتاج الإنسان إلى مسألة شرعية، فيتصل فلا يُجاب، أو يطلب توجيهاً فلا يجد من يحتضن سؤاله. بل قد يلتقي بعالمٍ في مواطن العبادة، كالحج مثلاً، وهو بأمسّ الحاجة إلى جواب، فيُقال له: اذهب إلى المرشدين!
فأين ذلك العالم الذي كان يعيش همّ الناس؟ أين من كان يُفتح بابه للسائل، ويُصغي للمحتاج، ويُجيب المستفتي، ويقود الجاهل إلى النور؟
بل إن من المؤسف أن بعض العلماء يعيشون بمعزلٍ عن المجتمع، بعيدين عن واقع الناس وقضاياهم، وكأن بينهم وبين الساحة الفكرية والاجتماعية حاجزاً. وللأسف، فإن وسائل البحث الديني في عصرنا هذا، في بعض جوانبها، لا تزال قاصرة وغير معاصرة، مما يجعل بعض طلاب العلوم يعيشون في دائرةٍ مغلقة، بعيدين عن التيارات الفكرية، وعن احتياجات المجتمع الحقيقية.
وهنا تتأكد الحاجة الملحّة إلى العالم الرسالي، الذي لا ينعزل عن الناس، بل ينزل إلى واقعهم، ويعيش همومهم، ويواكب تطورات عصره، ويخاطب عقولهم بما يفهمون، دون أن يفرّط في ثوابت الدين.
فمتى ما وُجد في المجتمع عالمٌ أو فاضل، يقوم بما أمره الله به من نشر العلم، وخدمة المجتمع بإخلاص، ولا يحتقر من يحتاج إليه في مسألة شرعية، بل يستقبل السائلين بصدرٍ رحب، ويعلّم الأحكام والفتاوى بروحٍ أبوية، ويحتضن الناس بعلمه وأخلاقه، فذلك هو العالم الذي تقترب فيه صورة الرواية من الواقع.
إن هذه الظواهر تفرض علينا أن نُعيد طرح السؤال بصدق:
من هم العلماء الذين تنطبق عليهم تلك الرواية؟
الجواب واضح… ليس كل من عُرف بالعلم، ولا كل من اعتلى المنبر، ولا كل من تصدّر المجالس.
بل هم القلة الصادقة، الذين:
يحملون العلم رسالة لا مهنة
ويجعلون أنفسهم في خدمة الناس لا فوقهم
ويصبرون على أسئلة الناس وحاجاتهم
ويجاهدون في نشر الدين، لا يكتفون بالعزلة أو الظهور الشكلي
هؤلاء، وإن قلّ عددهم، فهم موجودون… يُعرفون بأثرهم، لا بألقابهم، وبقربهم من الناس، لا بابتعادهم عنهم.
إن الرواية لا تُمنح كوسامٍ عام، بل هي مقام عظيم لا يناله إلا من جسّد روح الرسالة، وعاش لله، وبذل نفسه لهداية عباده.
فلنكن منصفين… لا نعمّم الحكم، ولا نُسقط التقصير على الجميع، لكن في الوقت نفسه، لا نُفرغ النصوص من معانيها، ولا نُنزّلها على غير أهلها.
الخاتمة:
وفي الختام، يبقى الأمل قائماً بأن تُخرِج الأمة من بين صفوفها علماء ربانيين، يحيون سيرة الصادقين، ويعيدون للعلم هيبته، وللدين حضوره، وللناس ثقتهم.
وإنّ من الواجب علينا أن نُجلّ العلماء ونوقّرهم، ونحفظ لهم مكانتهم، فهم ورثة الأنبياء، وحملة رسالة الهداية، وبهم تُصان الشريعة وتُحفظ معالم الدين. فمهما رأينا من تقصير هنا أو هناك، يبقى للعلماء قدرهم ومقامهم الذي لا يُنكر.
نسأل الله أن لا يحرمنا من فوائدهم، ولا من علمهم، ولا من بركات وجودهم، وأن يرزقنا وإياهم الإخلاص والثبات، وأن يجعلنا من السائرين على نهجهم بحق.
والحمد لله رب العالمين



