بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
إنَّ من أخطر ما يُبتلى به الإنسان في هذه الحياة أن يكون عوناً للظالم، أو معيناً له على ظلمه، ولو بكلمةٍ، أو موقفٍ، أو تبريرٍ، أو سكوتٍ يُقوِّي به الباطل ويُضعِف به الحق.
فالظلم لا يقتصر على من باشره بيده فقط، بل يشمل كل من رضي به، أو أعان عليه، أو ساند أهله، أو وقف موقف المتفرج وهو قادرٌ على الإنكار، لأنَّ الظالم لا يستطيع الاستمرار في ظلمه إلا بوجود من يهيئ له الطريق، أو يمنحه الغطاء، أو يزين له أفعاله.
وقد شدّد الإسلام على خطورة الظلم وأهله، لما يترتب عليه من ضياع الحقوق، وانتشار الفساد، وخراب المجتمعات، ولذلك جاءت النصوص القرآنية والروايات الشريفة بالتحذير من الميل إلى الظالمين أو الركون إليهم، قال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
فالركون إلى الظالم ولو بالقلب، أو بالمجاملة، أو بالتبرير، أمرٌ عظيم عند الله سبحانه وتعالى، لأنَّ المعين للظالم يُعطيه القوة للاستمرار، ويشعره بأن له من يسانده ويقف معه، فيتمادى في أذية الناس وسلب حقوقهم.
وقد ورد في الأثر الشريف:
“الظالم والمعين له والراضي بفعله شركاء ثلاثة”.
وهذا يدل على أنَّ المسؤولية لا تقع على الظالم وحده، بل تشمل كل من ساهم في تثبيت ظلمه بأي صورةٍ كانت، فكم من ظالمٍ ما كان ليستطيع البطش والتجبر لولا وجود من يصفق له، أو يزين أفعاله، أو يسكت عن ظلمه خوفاً، أو طمعاً، أو حفاظاً على مصلحة دنيوية زائلة.
ومن المؤسف أن البعض يظن أن الكلمة العابرة، أو المساعدة البسيطة، لا تُحسب عليه، بينما الشرع الحنيف ينظر إلى أثر الفعل ونتيجته، فقد تكون كلمةٌ واحدة سبباً في ضياع حق إنسان، أو تثبيت باطل، أو تشويه صورة مظلوم.
إنَّ نصرة المظلوم والوقوف مع الحق من أعظم الواجبات الأخلاقية والدينية، وقد جعل الله سبحانه العدل أساساً لقيام الأمم واستقرار المجتمعات، فلا يجوز للمؤمن أن يكون تابعاً للهوى والمصالح الشخصية على حساب المبادئ والقيم.
كما أنَّ السكوت عن الظلم مع القدرة على الإنكار يُعدُّ نوعاً من المشاركة غير المباشرة، لأنَّ الصمت في بعض المواقف يمنح الظالم جرأةً واستمراراً، ولهذا كان أهل الحق عبر التاريخ يقفون بوجه الظالمين مهما كانت التضحيات.
وما أعظم موقف الإمام الحسين عليه السلام حين وقف بوجه الظلم والطغيان، ليُعلِّم الأمة أنَّ الكرامة لا تُشترى، وأنَّ السكوت عن الباطل يُميت الضمير ويهدم القيم.
فالمؤمن الحقيقي هو من يكون مع الحق حيث كان، لا يتلوّن مع المصالح، ولا يبيع ضميره من أجل دنيا زائلة، لأنَّ الله سبحانه سائِلٌ كل إنسان عن موقفه يوم القيامة:
هل كان مع العدل أم مع الظلم؟
هل نصر المظلوم أم أعان الظالم؟
وفي الختام، ينبغي على كل إنسان أن يراجع مواقفه وتصرفاته، وأن يحذر من أن يكون جسراً يعبر عليه الظالم إلى ظلم الناس، فإنَّ عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة إعانة الظالم أشد وأخطر، والله سبحانه لا يرضى بالظلم ولا بأهله، وسيبقى الحق منتصراً ولو بعد حين.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل العدل والإنصاف، وأن يبعدنا عن الظلم وأهله، وأن يرزقنا الثبات على طريق الحق.



