بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11].
من أخطر الآفات التي تُضعف أواصر المجتمع الإيماني أن يتحول الاختلاف في الرأي أو التوجه الفكري أو البحث العقائدي إلى سببٍ للازدراء والتحقير وإسقاط كرامة الآخرين. فليس من حق أحد أن يحتقر مؤمناً لأنه يخالفه في اجتهاد، أو في طريقة بحثه، أو في بعض آرائه، ما دام قصده الوصول إلى الحق، ويلتزم بأدب الحوار واحترام الآخرين.
إن المؤمن له حرمة عظيمة عند الله تعالى، وقد أكدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) على صيانة كرامته واحترامه. فقد روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «المؤمن أعظم حرمةً من الكعبة»، وهي كلمة عظيمة تُبيّن مكانة الإنسان المؤمن، وأن كرامته لا يجوز أن تُنتهك بالسخرية أو الإهانة أو الاحتقار.
ولذلك، فإن العالم، والشيخ، وطالب العلم، والمثقف، وسائر أفراد المجتمع، جميعهم مطالبون بأن يجعلوا الحوار وسيلةً للتقارب، لا سلاحاً للإقصاء، وأن يكون اختلافهم سبباً للتكامل في البحث عن الحقيقة، لا سبباً لتمزيق العلاقات أو إسقاط الآخرين.
إن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هي مدرسة الرحمة، والمودة، والعدل، والإنصاف. وقد ربّى الأئمة (عليهم السلام) أتباعهم على احترام الإنسان، وحسن الاستماع إليه، ومناقشته بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيداً عن التجريح والتشهير. فلم يكن الاختلاف عندهم مبرراً لامتهان الناس أو الانتقاص منهم، بل كانوا يدعون إلى مخاطبة الجميع بأرقى الأخلاق.
كما قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق»، وهي قاعدة إنسانية عظيمة تؤكد أن الاحترام أصلٌ في التعامل مع الجميع، وأن الكرامة الإنسانية لا يجوز التفريط بها.
ومن المؤسف أن نرى أحياناً من يجعل الاختلاف في بعض المسائل سبباً لتبادل الاتهامات أو إطلاق أوصاف جارحة أو احتقار الآخرين، بينما الواجب الشرعي والأخلاقي هو أن يكون النقاش قائماً على الدليل، وأن تُحفظ للمؤمن كرامته، مهما كان الاختلاف معه.
إن الباحث عن الحقيقة ينبغي أن يُشجَّع على البحث والحوار الهادئ، لا أن يُحاصَر بالاستهزاء أو الاحتقار، لأن الوصول إلى الحق يحتاج إلى بيئة يسودها الاحترام المتبادل، وتُصان فيها كرامة الإنسان.
فلنجعل من أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، منهجاً في تعاملنا، فنختلف بأدب، ونتحاور بعلم، ونتعاون على البر والتقوى، ونبتعد عن كل ما يزرع الكراهية أو يفرق بين المؤمنين.
نسأل الله تعالى أن يؤلف بين القلوب، وأن يرزقنا حسن الخلق، وأن يجعلنا من السائرين على نهج محمد وآله الطاهرين، الذين نشروا الرحمة والعدل والمحبة بين الناس.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.



