بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى في كتابه الحكيم:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
إن الموقف العظيم الذي وقفه الإمام الحسين (ع) وأصحابه البررة يوم عاشوراء كان منوطاً بمجموعة من العوامل التي جعلت من نهضته مدرسة خالدة لهداية الإنسان وإصلاحه على مر العصور.
العامل الأول: منطلق العطاء
ويعني الدافع والمحرك والعلة الكامنة وراء العمل. فربما يكون لرجلين شكل واحد ويقومان بعمل متشابه من الناحية الظاهرية، ولا يبدو بينهما فرق عند الناس، إلا أن هذا التشابه لا يكفي للحكم على قيمة العمل عند الله تعالى، لأن الظاهر قد يخدع الإنسان، بينما الله سبحانه وتعالى يعلم السرائر والنوايا ويحيط بكل شيء علماً.
فالمنطلق والباعث نحو العمل له أهمية عظيمة، بل هو الأساس في تقييم الأعمال وقبولها. فقد نرى رجلين يبنيان مسجدين من مساجد الله، والمسجدان متشابهان في البناء والمظهر، ولكن قد يكون أحدهما قد بناه طلباً لرضا الله وخدمةً للدين، بينما بناه الآخر طلباً للسمعة أو المصلحة، فيختلف التقييم الإلهي اختلافاً كبيراً رغم تشابه العمل ظاهراً.
ومن هنا نفهم أن نهضة الإمام الحسين (ع) لم تكن طلباً لسلطة أو جاه أو مكسب دنيوي، وإنما كانت خالصة لله تعالى، لإحياء دين جده رسول الله (ص) وإصلاح الأمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك خُلِّدت وأثمرت عبر التاريخ.
العامل الثاني: حجم العطاء
هل يعني حجم العطاء أن يعطي شخص مائة دينار ويعطي آخر ألف دينار، فيكون صاحب العطاء الأكبر أفضل عند الله تعالى؟
إن المقصود بحجم العطاء ليس الحجم المطلق، فقد يمتلك رجل ألف دينار فيتصدق بمائة دينار منها، بينما يمتلك آخر مائة دينار فينفق خمسين ديناراً منها، فيكون الثاني أعظم عطاءً عند الله، لأنه قدّم نسبة أكبر مما يملك وتحمل مشقةً أكبر في سبيل الله.
ولهذا فإن قيمة العطاء لا تُقاس بكثرته الظاهرية فحسب، بل بما يمثله من تضحية وإيثار وإخلاص. وأعظم مثال على ذلك ما قدمه الإمام الحسين (ع) يوم عاشوراء، فقد لم يقدّم مالاً فحسب، بل قدّم نفسه وأهل بيته وأصحابه وكل ما يملك في سبيل الله، فكان عطاؤه أعظم عطاء عرفه التاريخ الإسلامي.
العامل الثالث: الآثار الوجودية للعطاء
إن الآثار الوجودية للعطاء من أهم الأمور التي ينظر إليها الله سبحانه وتعالى، لأن قيمة العمل لا تقف عند حدود زمانه ومكانه، بل تمتد إلى ما يتركه من آثار في حياة الناس وهدايتهم وصلاحهم.
ومن هنا تتجلى عظمة تضحية الإمام الحسين (ع)، فإن آثارها الوجودية لم تقتصر على يوم عاشوراء أو على جيل معين، بل امتدت عبر القرون لتصنع الهداية في قلوب الملايين من البشر. فكم من إنسان اهتدى إلى الله بسبب هذه النهضة المباركة، وكم من مؤمن ازداد إيماناً، وكم من نفس تغيرت أخلاقها وسلوكها ببركة مجالس الحسين (ع) ومنابره وشعائره.
وحتى ما نحمله نحن اليوم من إيمان ومحبة لأهل البيت (ع) وقيم أخلاقية وإنسانية، لم يأتِ من الآباء والأمهات فحسب، وإن كان لهم دور مهم ومؤثر، بل إن للمنابر الحسينية والتضحيات العظيمة التي قدمها سيد الشهداء (ع) الأثر الأكبر في ترسيخ هذه القيم والمحافظة عليها جيلاً بعد جيل.
ولذلك فإن الأثر الوجودي لهذه النهضة المباركة عظيم جداً، إذ كانت سبباً في هداية أعداد لا تُحصى من البشر، وستبقى مناراً للهداية ما بقي الليل والنهار، فينال بسببها خلق كثير رحمة الله تعالى ورضوانه، وتكون هذه الثمار المباركة من أعظم نتائج ذلك العطاء الإلهي الخالد.
إن عاشوراء ليست حادثة تاريخية فحسب، بل مشروع هداية مستمر، ومدرسة إيمانية وأخلاقية وإنسانية تُخرج الأجيال من الظلمات إلى النور، وتربط الإنسان بالله تعالى وبالقيم التي جاء بها الإسلام المحمدي الأصيل.
فسلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، الذين رسموا بدمائهم الطاهرة طريق الهداية والنجاة للبشرية جمعاء.



