الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
ليست قيمة الإنسان فيما يملك من مال أو جاه أو مكانة اجتماعية، وإنما فيما يقدمه للآخرين، وما يتركه من أثر طيب في حياة الناس. فهناك أناس اختاروا أن تكون حياتهم مساحة للعطاء، وأن يجعلوا من خدمة الإنسان والمجتمع رسالةً لا ترتبط بوقت أو مناسبة، بل تتحول إلى سلوك راسخ وثقافة إنسانية نبيلة.
ومن النماذج المضيئة التي تستحق التقدير والإشادة، يأتي قاسم حسين أحمد آل عبيد، الذي قدم صورة مشرقة للمتطوع الذي يؤمن بأن خدمة الآخرين ليست تفضلاً، وإنما مسؤولية إنسانية وقيمة إيمانية.
ومن أجمل صور عطائه الإنساني مبادرته المتواصلة إلى التبرع بالدم، وهي مبادرة قد يراها البعض عملاً بسيطاً، لكنها في حقيقتها قد تكون سبباً في إنقاذ حياة إنسان، أو مساعدة مريض، أو منح أسرة الأمل في لحظة عصيبة.
وقد تجاوز عدد تبرعاته بالدم خمسين تبرعاً أو أكثر، وهو رقم يحمل دلالة كبيرة على الاستمرارية والإخلاص، ويكشف عن ثقافة راسخة لديه تجاه العمل التطوعي وخدمة المرضى والمحتاجين.
فالتبرع بالدم ليس مجرد إجراء طبي، بل هو موقف إنساني يجسد معنى التكافل، ويترجم قول الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾
إن الإنسان عندما يقدم من دمه لإنقاذ حياة مريض، فإنه يقدم شيئاً من جسده دون أن ينتظر مقابلاً أو شكراً، وهذا من أصدق صور البذل والعطاء؛ لأنه عطاء لا يعرف صاحبه في كثير من الأحيان لمن ستصل تبرعاته، لكنه يثق بأن هناك إنساناً يحتاج إليها.
وهنا تتجلى قيمة العمل التطوعي؛ فالمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يكثر فيه أصحاب الإمكانات فقط، وإنما المجتمع الذي تنتشر فيه ثقافة المبادرة والمسؤولية والتكافل، ويشعر فيه الإنسان أن عليه دوراً تجاه الآخرين.
والجميل في شخصية قاسم حسين أحمد آل عبيد أن عطاؤه لا يقف عند التبرع بالدم، بل يمتد إلى ميادين أخرى من الخدمة الاجتماعية والإيمانية، فهو من المشاركين في خدمة مجالس أبي عبدالله الحسين (عليه السلام)، وخدمة المؤمنين ورواد هذه المجالس المباركة.
وهذه الخدمة تحمل في داخلها معنى عميقاً؛ لأن مجالس أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن يوماً مجرد مجالس للمجالس أو اللقاء، وإنما هي مدارس للأخلاق والإيمان والتكافل والتراحم وخدمة الإنسان.
وقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
«فَوَاللهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّدًا، أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّدًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِمًا لِبَعْضِ الْعِبَادِ».
إن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) علمتنا أن الإيمان الحقيقي لا ينعزل عن المجتمع، وأن محبة أهل البيت (عليهم السلام) ينبغي أن تتحول إلى أخلاق وسلوك ومواقف عملية.
ومن هنا فإن خدمة الناس، ومساعدة المرضى، والتبرع بالدم، والمشاركة في خدمة المجالس الحسينية، وإكرام المؤمنين، كلها صور يمكن أن تجتمع في شخصية واحدة لتصنع نموذجاً يستحق التقدير.
العطاء الذي لا يبحث عن الأضواء
من أجمل ما في العمل التطوعي أنه يكشف معدن الإنسان بعيداً عن المصالح الشخصية؛ فالمتطوع الحقيقي لا ينتظر دائماً من يصفق له، ولا يبحث عن الشهرة، وإنما يجد سعادته في أن يكون سبباً في إسعاد الآخرين أو مساعدتهم.
وقاسم حسين أحمد آل عبيد يمثل نموذجاً لهذا النوع من العطاء الذي يقوم على الاستمرارية والمبادرة والإحساس بالمسؤولية.
فأكثر من خمسين تبرعاً بالدم ليست مجرد أرقام تُذكر، وإنما هي محطات متكررة من البذل، وكل تبرع منها قد يكون خلفه مريض ينتظر، وأسرة تدعو، وطبيب يبحث عن وحدة دم يحتاج إليها لإنقاذ حياة.
وهذا هو الأثر الحقيقي الذي يتركه المتطوع في مجتمعه؛ أثر قد لا يراه بعينه، لكنه يبقى في حياة الآخرين.
من الفرد إلى المجتمع
إننا اليوم بحاجة إلى أن نسلط الضوء على هذه النماذج الإيجابية في مجتمعنا، لا من باب المبالغة في مدح الأشخاص، وإنما من أجل تعزيز ثقافة القدوة الحسنة وتشجيع الآخرين على الاقتداء بها.
فحين يرى الشاب أن هناك من جعل من التبرع بالدم عادةً مستمرة، ومن خدمة المؤمنين سلوكاً متواصلاً، ومن المشاركة في المجالس الحسينية باباً للعطاء، فإنه يدرك أن خدمة المجتمع ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، وإنما مسؤولية كل فرد بحسب قدرته واستطاعته.
والتكريم الحقيقي لمثل هذه الشخصيات لا يكون فقط بتقديم شهادة أو درع، وإنما بأن تتحول تجربتها إلى رسالة تصل إلى الآخرين:
كن نافعاً، بادر، أعطِ، ساعد، وخذ من وقتك وجهدك ما تستطيع لخدمة الإنسان.
فالمجتمع الذي يكرّم المتطوعين ويبرز تجاربهم، هو مجتمع يزرع في أبنائه روح المبادرة، ويشجع على العمل الخيري، ويجعل العطاء ثقافة عامة لا عملاً فردياً محدوداً.
نموذج إيماني يستحق الإشادة
إن الحديث عن قاسم حسين أحمد آل عبيد هو حديث عن نموذج من أبناء المجتمع اختار أن يجعل من قدرته على العطاء وسيلة لخدمة الآخرين، فجمع بين العطاء الإنساني من خلال التبرع بالدم، والعطاء الاجتماعي من خلال خدمة المؤمنين، والعطاء الإيماني من خلال المشاركة في خدمة مجالس أبي عبدالله الحسين (عليه السلام).
وهذه النماذج ينبغي ألا تمر مروراً عابراً، بل تستحق أن يُشار إليها بالبنان، وأن يُقال لأصحابها: شكراً لكم، لأنكم أثبتم أن الإيمان عندما يتحول إلى عمل، يصبح أثراً يراه الناس وينتفعون به.
نسأل الله تعالى أن يوفق قاسم حسين أحمد آل عبيد، وأن يبارك له في عمره وصحته وعطائه، وأن يجعل ما قدمه في ميزان أعماله، وأن يوفقه لمواصلة طريق الخير وخدمة المرضى والمحتاجين والمؤمنين، وخدمة مجالس أبي عبدالله الحسين (عليه السلام).
وما أجمل أن تكون في كل قرية ومدينة عشرات النماذج من أمثاله، يحملون ثقافة التطوع، ويؤمنون بأن الإنسان يستطيع أن يمنح شيئاً من وقته، أو ماله، أو جهده، أو دمه، ليمنح إنساناً آخر فرصة للحياة.
فالعطاء لا ينقص الإنسان، بل يرفعه، والعمل التطوعي لا يصنع أثراً في المجتمع فحسب، بل يصنع إنساناً أكثر قرباً من الناس، وأكثر إحساساً بآلامهم، وأكثر قدرة على صناعة الخير.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.



