الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
من القيم الأصيلة التي تميز المجتمعات المؤمنة روحُ التكافل والتراحم، والوقوف مع الإنسان في أفراحه وأتراحه. ومن أبرز صور هذا التلاحم الاجتماعي حضور الفواتح ومجالس العزاء، فهي ليست مجرد مناسبة لتقديم واجب العزاء، بل مدرسة أخلاقية وإنسانية تعزز المحبة، وتوثق العلاقات، وتغرس معاني الوفاء بين أفراد المجتمع.
وفي الآونة الأخيرة، يلاحظ كثير من الناس عزوف شريحة من الشباب عن حضور الفواتح، سواء كان المتوفى من أقاربهم أو من أبناء مجتمعهم، حتى أصبح الحضور في بعض المجالس يقتصر على كبار السن، وهي ظاهرة تستحق الدراسة والمعالجة، لما لها من آثار سلبية على تماسك المجتمع وثقافته الاجتماعية.
إن حضور الفاتحة ليس عادة اجتماعية فحسب، بل هو خلق إسلامي نبيل، يواسي أهل المصاب، ويخفف عنهم آلام الفقد، ويشعرهم بأن المجتمع يقف إلى جانبهم في محنتهم. قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].
وروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا، فإن في ذلك إحياءً لأمرنا.»
وقال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «خالطوا الناس مخالطةً إن متم معها بكوا عليكم، وإن عِشتم حنّوا إليكم.»
لقد أصبح بعض الشباب يكتفي بإرسال رسالة عبر الهاتف أو تعليق في وسائل التواصل الاجتماعي، ظنًا منه أن ذلك يغني عن الحضور، بينما يبقى اللقاء المباشر، والمصافحة، والدعاء، والجلوس مع أهل الفقيد، أبلغ أثرًا وأعظم مواساة، ولا يمكن أن تعوضه الوسائل الإلكترونية مهما تطورت.
كما أن حضور الفواتح يرسخ لدى الشباب قيم الوفاء، وصلة الرحم، والانتماء للمجتمع، ويعرفهم برجالاته وعلمائه وأسره الكريمة، ويقوي الروابط الاجتماعية التي طالما عُرف بها مجتمعنا.
ومن المؤسف أن يقضي بعض الشباب ساعات طويلة في المجالس الخاصة أو المقاهي أو أمام الهواتف الذكية، بينما يستثقل تخصيص دقائق معدودة لحضور مجلس عزاء، مع أن تلك الدقائق قد تكون سببًا في إدخال السرور على قلب مؤمن، ونيل الأجر والثواب، وبناء سمعة طيبة بين الناس.
ولا شك أن الأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة في تعويد أبنائها منذ الصغر على حضور الفواتح، وتعليمهم آداب المواساة، ليشبوا وهم يدركون أن الوقوف مع الناس في الشدائد من مكارم الأخلاق.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تمتد كذلك إلى خطباء المنابر الحسينية، والعلماء، وطلبة العلوم الدينية، وكل من يتشرف بارتقاء المنبر؛ فهم أصحاب رسالة تربوية واجتماعية، ومن واجبهم أن يذكروا الشباب بين الحين والآخر بأهمية حضور الفواتح ومجالس العزاء، وأن يبينوا لهم ما يترتب على ذلك من آثار دينية وأخلاقية واجتماعية.
فالكلمة الصادقة التي تُلقى من على المنبر الحسيني لها أثر بالغ في النفوس، وإذا اقترنت بالحكمة والقدوة الحسنة، فإنها تسهم في غرس ثقافة المواساة والتكافل، وتدفع الشباب إلى أداء هذا الواجب الإيماني والإنساني. كما أن التذكير المستمر بأن حضور الفاتحة عبادة يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى من خلال مواساة إخوانه، يعزز الشعور بالمسؤولية والانتماء، ويعيد إحياء هذه السنة الاجتماعية المباركة.
إن المنبر الحسيني لم يكن يومًا منبرًا للوعظ فحسب، بل كان مدرسة لبناء الإنسان، وغرس القيم، وصناعة المجتمع الواعي المتراحم، ومن هنا تأتي أهمية أن يكون هذا الجانب حاضرًا في كلمات الخطباء، لما له من أثر في بناء جيل يعتز بقيمه، ويحرص على أداء واجباته الاجتماعية.
إن المجتمع الذي يحافظ أبناؤه على حضور الفواتح، ويقفون مع بعضهم في ساعات الحزن، هو مجتمع قوي متماسك، تسوده الرحمة والمحبة، ويشعر كل فرد فيه بأنه ليس وحيدًا عند المصيبة.
فلنحرص جميعًا، آباءً وأمهات، وشبابًا وشابات، وعلماء وخطباء، على إحياء هذه القيمة النبيلة، لتبقى الفواتح عنوانًا للمحبة والتكافل، ولتبقى روابط مجتمعنا قوية كما أرادها الإسلام وأكدت عليها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).



