نموذج الأطوار الكونية في نصوص أهل البيت ومقارنته بالنموذج العلمي الحديث لنشأة الأرض
دراسة علمية–فلسفية مقارنة
إعداد: عبدالله حسين البراهيم
التاريخ: 11 مايو 2026 - 24 ذي القعدة 1447
المكان: المملكة العربية السعودية
ملخص
يعالج هذا البحث سؤال نشأة الأرض ضمن إطارين معرفيين مختلفين: الإطار الروائي–البياني في نصوص أهل البيت عليهم السلام، والإطار العلمي الحديث في علوم نشأة الكواكب والجيولوجيا المبكرة للأرض. ويقترح البحث نموذجًا تحليليًا يُسمّى “نموذج الأطوار الكونية”، مستخلصًا من ثلاث وحدات نصية رئيسية: رواية دحو الأرض من الماء والزبد، وخطبة أمير المؤمنين عليه السلام في وصف كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة، وتفسير الإمام الباقر عليه السلام لآية: ﴿كانتا رتقًا ففتقناهما﴾.
لا يدّعي البحث أن هذه النصوص تقدم نظرية جيولوجية تفصيلية بالمعنى العلمي الحديث، بل يرى أنها تعرض بنية أطوار كبرى يمكن مقارنتها فلسفيًا وعلميًا بالنموذج الحديث لنشأة الأرض، مع التمييز بين لغة النصوص التمثيلية–البيانية ولغة العلم القياسية–الآلية.
ويخلص البحث إلى وجود تقارب بنيوي في منطق المراحل: اضطراب أولي، ثم تمايز، ثم تشكل طور تماسكي، ثم بسط واستقرار، ثم انفتاح دورة الماء والحياة، مع بقاء اختلاف جوهري في الآليات والتفاصيل.
الكلمات المفتاحية: دحو الأرض، كبس الأرض، الزبد، الرتق والفتق، نشأة الأرض، محيط الصهارة، التمايز الكثافي، القشرة الأرضية، دورة الماء.
- المقدمة
تُعدّ مسألة نشأة الأرض من أقدم الأسئلة التي تداخل فيها الديني بالفلسفي والعلمي. وقد تناولت النصوص الدينية هذا السؤال بلغة هادفة تُخاطب الإنسان في وعيه الوجودي، وتربطه بعظمة الخلق والإحكام الإلهي. وفي نصوص أهل البيت عليهم السلام، تبرز مفردات كونية ذات كثافة دلالية مثل: الماء، الموج، الزبد، الريح، الكبس، الدحو، الرتق، والفتق.
هذه المفردات لا ينبغي التعامل معها بوصفها مصطلحات علمية حديثة بالمعنى المختبري الدقيق، لكنها في الوقت نفسه ليست ألفاظًا عابرة؛ إذ يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات على أطوار كبرى في انتقال الأرض من حالة اضطراب إلى حالة استقرار، ومن انغلاق بيئي إلى قابلية للحياة.
وفي المقابل، يقدّم العلم الحديث نموذجًا تفصيليًا لنشأة الأرض ضمن سياق نشأة النظام الشمسي، يبدأ من السديم الشمسي والقرص الكوكبي الأولي، ثم التراكم الكوكبي، فمحيط الصهارة، فالتميّز الداخلي، ثم تكوّن القشرة والغلاف الجوي والمحيطات.
من هنا يحاول هذا البحث بناء مقارنة منضبطة بين النص والعلم، لا بقصد فرض التطابق، بل بقصد دراسة البنية المرحلية المشتركة بينهما.
- إشكالية البحث
تتمثل إشكالية البحث في السؤال الآتي:
هل يمكن استخراج نموذج أطوار كونية من نصوص أهل البيت عليهم السلام حول نشأة الأرض، ثم مقارنته بالنموذج العلمي الحديث دون الوقوع في التفسير القسري أو التطابق المتعجل؟
ويتفرع عن هذا السؤال:
- ما الدلالة اللغوية والمفهومية لمفردات الماء، الزبد، الكبس، الدحو، الرتق، والفتق؟
- هل تصف النصوص مراحل كبرى أم آليات تفصيلية؟
- أين يقع التقارب بين النصوص والعلم الحديث؟
- أين تنتهي حدود المقارنة ويبدأ خطر الإسقاط التأويلي؟
- المنهجية
يعتمد البحث على منهج مركب يقوم على أربع خطوات:
3.1 التحليل اللغوي
دراسة المفردات في سياقها العربي القديم والبلاغي، مع تجنب تحميلها مصطلحات علمية حديثة تحميلًا مباشرًا.
3.2 التحليل المفاهيمي
تحويل الألفاظ إلى مفاهيم أطوار، مثل:
- الماء = حالة سيولة/اضطراب.
- الزبد = طور خفيف طافٍ.
- الكبس = تثبيت وإرساء.
- الدحو = بسط وتمهيد.
- الرتق = انغلاق وظيفي.
- الفتق = انفتاح دورة الحياة.
3.3 إعادة بناء التسلسل المرحلي
استخراج خط زمني مفاهيمي من داخل النصوص، دون افتراض تطابق حرفي مع العلم.
3.4 المقارنة العلمية
مقارنة الأطوار المستخلصة بالنموذج العلمي الحديث من حيث البنية العامة، لا من حيث التفاصيل الرياضية أو المختبرية.
- النصوص المعتمدة ومصادرها
- النصوص محل الدراسة
5.1 رواية دحو الأرض من الماء والزبد
قال الإمام محمد الباقر عليه السلام:
«لما أراد الله أن يخلق الأرض، أمر الرياح الأربع فضربن متن الماء حتَى صار موجاً، ثمَ أزبد فصار زبداً واحداً، فجمعه في موضع البيت، ثمَ جعله جبلاً من زبد. ثم دحا الأرض من تحته، وهو قول الله عزَ وجلَ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ٩٦﴾، فأول بقعة خُلقت من الأرض الكعبة، ثم مُدَت الأرض منها».
هذه الرواية تعرض سلسلة واضحة:
- ماء.
- حركة ريحية.
- موج.
- زبد.
- تجمّع.
- طور تماسكي أولي.
- دحو ومدّ.
وهي سلسلة يمكن قراءتها بوصفها انتقالًا من السيولة والاضطراب إلى التماسك والبسط.
5.2 خطبة كبس الأرض على مور أمواج
ورد في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام:
«كَبَسَ الأرْضَ عَلى مَوْرِ أَمْوَاج مُسْتَفْحِلَة، وَلُجَجِ بِحَار زَاخِرَة، تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أمْواجِهَا، وَتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِها، وَتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا، فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً، إِذْ تَمعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ، سَاجِياً، مَقْهُوراً، وَفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً، وَسَكَنَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً، فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ، وَرَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَاعْتِلاَئِهِ، وَشُمُوخِ أَنْفِهِ وَسُمُوِّ غُلَوَائِهِ، وَكَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ، وبَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ».
هذه الخطبة تركز على صورة أخرى مكملة للرواية الأولى، وهي:
- اضطراب الماء.
- عنف الأمواج.
- ظهور الزبد.
- ثقل الأرض.
- خضوع الماء.
- استقرار الأرض مدحوة.
أي أن مركز الخطبة هو طور التثبيت بعد الاضطراب.
5.3 تفسير الرتق والفتق
في تفسير قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾
ورد عن الإمام الباقر عليه السلام:
«كانت السماء رتقًا لا تنزل القطر، وكانت الأرض رتقًا لا تخرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات».
هذا التفسير لا يركز على نشأة المادة الأولى للأرض، بل على التحول الوظيفي البيئي: من سماء لا تمطر وأرض لا تنبت، إلى دورة ماء ونبات وحياة.
- التحليل اللغوي–المفاهيمي
6.1 الماء
الماء في النصوص ظاهر في معناه الحسي، لكنه عند التحليل المرحلي يمكن أن يمثل حالة السيولة وعدم الاستقرار. لذلك لا يلزم أن يُحمّل دائمًا على معنى “محيط مائي مستقر”، بل يمكن فهمه ضمن مشهد اضطراب أولي واسع.
6.2 الموج والمور واللجج
هذه الألفاظ تعبّر عن العنف الحركي واللااستقرار:
- الموج: اضطراب السطح.
- المور: الحركة الشديدة.
- اللجج: الأعماق المضطربة.
ومقابلها المفاهيمي الحديث هو البيئة الديناميكية العنيفة.
6.3 الزبد
الزبد في اللغة هو الرغوة الطافية الناتجة من اضطراب الماء. وفي القراءة المرحلية يمكن فهمه بوصفه:
طورًا خفيفًا طافيًا يتجمع فوق وسط أثقل.
وهذا لا يعني بالضرورة أنه “قشرة أرضية” حرفيًا، بل يعني أن النص يستعمل صورة حسية لوصف تمايز مادة خفيفة عن وسط مضطرب.
6.4 الريح
الريح في النص قد تُقرأ حرفيًا كحركة هواء، وقد تُقرأ مرحليًا كرمز للقوة المحركة التي تُحدث الموج والزبد. والأقرب في البحث المقارن أن تُفهم بوصفها عامل تحريك ديناميكي.
6.5 الكبس
الكبس يدل على الضغط والتثبيت والإدخال. وفي الخطبة يعني إرساء الأرض على وسط مضطرب حتى يخضع اضطرابه. وهو أقرب إلى معنى:
الانتقال من الفوضى الحركية إلى الاستقرار البنيوي.
6.6 الدحو
الدحو يدور حول البسط والتمهيد والمدّ. وفي الرواية يدل على امتداد الأرض من طور أولي إلى سطح مبسوط قابل للسكن.
6.7 الرتق والفتق
بحسب تفسير الإمام الباقر عليه السلام:
- الرتق = انغلاق وظيفي: لا مطر ولا نبات.
- الفتق = انفتاح بيئي: مطر ونبات.
وهذا يجعل الفتق طورًا متعلقًا بقابلية الحياة، لا بمجرد الانفصال المادي.
- نموذج الأطوار في نصوص أهل البيت
يمكن استخلاص نموذج من سبعة أطوار:
الطور الأول: السيولة والاضطراب
تمثله ألفاظ الماء، المور، اللجج، والموج.
وهو طور لا استقرار فيه.
الطور الثاني: التحريك الديناميكي
تمثله الرياح التي تضرب متن الماء.
وهو طور دخول القوة المحركة في الوسط.
الطور الثالث: التمايز السطحي
يمثله الزبد.
وهو طور ظهور مادة خفيفة طافية.
الطور الرابع: التجمع والتماسك الأولي
يمثله جمع الزبد في موضع واحد وجعله جبلًا.
والأدق أن يسمى:
طور التماسك الأولي
وليس “نواة قارية” إلا على سبيل المقارنة الجزئية.
الطور الخامس: الدحو والامتداد
يمثله بسط الأرض ومدّها.
وهو طور الاتساع والتهيئة.
الطور السادس: التثبيت والاستقرار
تمثله عبارة “كبس الأرض” وخضوع جماح الماء.
وهو طور انتقال الأرض إلى حالة أرسخ.
الطور السابع: الفتق الحيوي
يمثله المطر والنبات.
وهو طور بداية القابلية البيئية للحياة.
- النموذج العلمي الحديث لنشأة الأرض
8.1 السديم الشمسي
يفترض العلم الحديث أن النظام الشمسي نشأ من سحابة ضخمة من الغاز والغبار انهارت بالجاذبية، فتكونت الشمس في المركز، وبقيت حولها مادة في قرص دوّار تشكلت منه الكواكب.
8.2 التراكم الكوكبي
تجمعت الجسيمات الصغيرة عبر التصادم والتلاصق لتشكل أجسامًا أكبر، ثم كواكب أولية. ومن هذه العمليات نشأت الأرض البدائية.
8.3 محيط الصهارة
نتيجة التصادمات العنيفة والطاقة الحرارية العالية، مرت الأرض بطور منصهر واسع يُسمى غالبًا “محيط الصهارة”. وهذا الطور يمكن مقارنته ظاهراتيًا بصورة السيولة والاضطراب في النصوص، لا بوصفه ماءً حرفيًا.
8.4 التمايز الداخلي
مع ارتفاع الحرارة، انفصلت المواد بحسب كثافتها:
- الحديد والنيكل إلى اللب.
- السيليكات إلى الوشاح والقشرة.
وهذا يشبه من حيث البنية العامة فكرة ظهور طور أخف فوق وسط أثقل.
8.5 تشكل القشرة الأولية
مع تبريد السطح، بدأت قشرة أولية في التكوّن. لكنها لم تكن مستقرة تمامًا، بل تعرضت للذوبان والتجدد بفعل النشاط الحراري والاصطدامات.
8.6 الغلاف الجوي والمحيطات
أطلقت البراكين غازات، منها بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين. ومع تبريد الأرض، تكاثف بخار الماء تدريجيًا، فتكونت المحيطات المبكرة.
8.7 بداية الحياة
ظهرت الحياة الميكروبية في وقت مبكر نسبيًا من تاريخ الأرض، ثم تطورت لاحقًا كيمياء الغلاف الجوي، خصوصًا بعد ارتفاع الأكسجين بفعل التمثيل الضوئي.
- المقارنة المنهجية بين النموذجين
- ضوابط الفهم والمقارنة
يحتاج البحث في النصوص الكونية المروية عن أهل البيت عليهم السلام إلى قدر من الدقة والوقار؛ لأنها نصوص صادرة عن مقام علمي وروحي رفيع، وفي الوقت نفسه تُقارن هنا بلغة علمية حديثة ذات مصطلحات وآليات مخصوصة. ومن ثم فالمطلوب ليس تقييد النص أو تقليل دلالته، بل وضع ضوابط تمنع الخلط بين المعنى النوراني الواسع للنص والمصطلح العلمي المحدد.
10.1 بين المعنى النصي والمصطلح العلمي
لا يلزم أن تُطابق ألفاظ الروايات المصطلحات العلمية الحديثة مطابقة لفظية مباشرة؛ فـ“الماء” و“الزبد” و“الدحو” ألفاظ صدرت بلغة عربية جامعة، تخاطب العقول في زمنها وتبقى قابلة للتأمل في الأزمنة اللاحقة.
وعليه، فالأدق أن يقال إن هذه الألفاظ تكشف عن منطق أطوار عميق: سيولة واضطراب، ثم تمايز، ثم تماسك، ثم بسط واستقرار. أما ربطها بمفاهيم مثل محيط الصهارة أو القشرة الأولية أو تكتونية الصفائح، فيبقى من باب المقارنة والتقريب، لا من باب حصر معنى النص في هذه المصطلحات.
وبذلك لا يُقال إن النص تابع للعلم الحديث، بل يقال إن العلم الحديث يساعدنا على إدراك بعض وجوه العمق الممكنة في النص.
10.2 موضع البيت ومركزية الدحو
إن ذكر موضع البيت في رواية دحو الأرض يحمل دلالة عظيمة في الرؤية الإمامية والإسلامية عمومًا؛ فهو موضع البركة والهداية وأول بيت وُضع للناس، وقد جعله الله مركزًا تعبديًا وروحيًا للأرض وأهلها.
ومن جهة البحث المقارن، يمكن فهم هذه المركزية على أكثر من مستوى:
- مركزية دينية وروحية بوصف البيت قبلة الناس وموضع البركة.
- مركزية تكوينية بحسب ظاهر الرواية من حيث ارتباط الدحو الأول بموضع البيت.
- مركزية معرفية ورمزية من حيث جعل البيت نقطة ابتداء في خطاب الخلق والهداية.
أما تحويل هذه الدلالة مباشرة إلى نظرية جيولوجية تفصيلية بالمعنى المختبري الحديث، فيحتاج إلى بحث أوسع وأدلة مساندة. لذلك يكتفي هذا البحث بإثبات أن الرواية تمنح موضع البيت مكانة تكوينية خاصة، مع ترك تفاصيل الكيفية لمزيد من البحث.
10.3 النص أعلى من الحصر المختبري
ليست نصوص أهل البيت عليهم السلام نصوصًا مختبرية محدودة بلغة العصر الحديث، بل هي نصوص هداية ومعرفة وبيان، تخاطب الإنسان في عقله وروحه، وتفتح له باب التأمل في نظام الخلق.
ولهذا فإن قوتها لا تنحصر في مطابقة تفصيل علمي بعينه، بل في قدرتها على عرض بنية كونية كبرى: اضطراب، فتمايز، فدحو، فاستقرار، ثم قابلية للحياة. وهذه البنية المرحلية هي موضع العناية في هذا البحث.
ومن هنا، فالمقارنة مع العلم الحديث لا تهدف إلى إخضاع النص للعلم، بل إلى إظهار أن النص يحمل قابلية معرفية واسعة، وأن بعض معانيه يمكن أن تُقرأ بعمق أكبر كلما اتسعت أدوات الإنسان العلمية والفكرية.
- الإطار المركب المقترح
يقترح البحث إطارًا مركبًا يقوم على الفصل بين مستويين:
11.1 مستوى وصف الأطوار
وهو ما تقدمه النصوص:
- اضطراب.
- تمايز.
- تماسك.
- دحو.
- تثبيت.
- فتق حياتي.
11.2 مستوى آليات الأطوار
وهو ما يقدمه العلم:
- تراكم كوكبي.
- محيط صهارة.
- تمايز داخلي.
- تبريد.
- قشرة.
- غلاف جوي.
- محيطات.
- حياة.
وبذلك يمكن القول:
النصوص تقدم خريطة أطوار كلية، والعلم يقدّم الآليات التفصيلية لهذه الأطوار.
- القيمة المعرفية للنصوص الكونية
تملك هذه النصوص ثلاث قيم معرفية:
12.1 قيمة لغوية وبلاغية
تظهر في قوة التصوير ودقة اختيار الألفاظ.
12.2 قيمة فلسفية
تظهر في تصوير العالم بوصفه انتقالًا من فوضى إلى نظام، ومن انغلاق إلى حياة.
12.3 قيمة إيمانية
داخل المنظومة الاعتقادية، يمكن أن تُقرأ هذه النصوص بوصفها شاهدًا على عمق علم أهل البيت عليهم السلام، لكنها في البحث المقارن تبقى دليلًا مؤيدًا لا دليلًا علميًا مستقلًا.
- المناقشة الفلسفية
اختلاف اللغة لا يعني اختلاف الحقيقة. فالنص الديني لا يتكلم بلغة المعادلة، والعلم لا يتكلم بلغة الهداية. لكن يمكن أن يلتقيا عند مستوى أعمق هو منطق الأطوار.
النص يصف:
كيف يتحول العالم من اضطراب إلى استقرار.
والعلم يشرح:
بأي آليات مادية حدث هذا التحول.
وهنا تظهر قيمة المقارنة: لا في إثبات أن النص يساوي العلم، بل في بيان أن النص يمتلك بنية معرفية عميقة تستحق التحليل.
- الخاتمة
يخلص هذا البحث إلى أن النصوص المروية عن أهل البيت عليهم السلام في دحو الأرض وخلقها لا تقف عند حدود البيان الوعظي أو التصوير البلاغي، بل تكشف عن رؤية كونية عميقة ذات بناء مرحلي واضح؛ إذ تبدأ بصورة السيولة والاضطراب، ثم تنتقل إلى التمايز والتجمع، ثم الدحو والبسط، ثم التثبيت والاستقرار، ثم الفتق الحيوي المتمثل في نزول القطر وخروج النبات وتهيؤ الأرض للحياة.
وعند مقارنة هذه البنية المرحلية بالنموذج العلمي الحديث لنشأة الأرض، يظهر أن هناك تقاربًا لافتًا في منطق الأطوار الكبرى، وإن اختلفت لغة النصوص عن لغة العلم الحديث. فالعلم يتحدث بلغة الآليات والمقادير والنماذج، أما النصوص فتتحدث بلغة جامعة عميقة، تخاطب الإنسان في عصرها، وتبقى قابلة للفهم المتجدد كلما اتسعت معارفه.
والسؤال المعرفي المهم هنا هو: من أين جاءت هذه النصوص بهذه الإشارات الكونية العميقة قبل أكثر من ألف وأربعمئة سنة؟
فهذه الأطوار لم تكن مشاهدة بالتجربة البشرية، ولم تكن معروفة بأدوات الحس أو القياس في ذلك الزمن، بل تتعلق بمراحل سبقت وجود الإنسان نفسه بمليارات السنين، وبوقائع لا يمكن إدراكها إلا بعلم متجاوز للمعرفة العادية.
ومن هنا، فإن القراءة الإمامية ترى في هذه النصوص شاهدًا على أن علم أهل البيت عليهم السلام لم يكن علمًا بشريًا مألوفًا، بل علمًا متصلًا بمصدر الوحي والهداية، موروثًا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ومؤيدًا بالتسديد الإلهي. فكما كان القرآن يكشف للإنسان آيات الخلق بلغة الهداية، جاءت كلمات أهل البيت عليهم السلام لتفتح بابًا آخر من أبواب المعرفة، يجمع بين البيان، والحكمة، والإشارة الكونية السابقة لعصرها.
ولا يعني ذلك تحويل الروايات إلى كتاب جيولوجيا حديث، ولا حصر معانيها في المصطلحات العلمية المعاصرة، بل يعني أن هذه النصوص تحمل من السعة والعمق ما يجعلها قابلة للمقارنة والتأمل في ضوء ما يكشفه العلم الحديث. فالعلم قد يشرح الآليات، أما النص المعصوم فيرسم البنية الكبرى، ويشير إلى نظام الخلق من زاوية الهداية والمعرفة الإلهية.
وعليه، يمكن القول إن نصوص أهل البيت عليهم السلام في دحو الأرض والرتق والفتق تمثل مادة معرفية جديرة بالدراسة العميقة، لا لأنها توافق العلم في كل تفصيل، بل لأنها تعرض تصورًا مرحليًا رصينًا عن الخلق، يصعب تفسير صدوره في ذلك العصر تفسيرًا ماديًا بسيطًا. وهذا يعزز، في الرؤية الإمامية، مكانة أهل البيت عليهم السلام بوصفهم ورثة علم النبي، وأدلاء الخلق إلى الله، وحملة معرفة لا تنفصل عن مصدرها الإلهي.
ويوصي البحث بتوسيع الدراسة لاحقًا لتشمل نصوصًا أخرى في:
- خلق السماوات.
- الدخان.
- الرتق والفتق في مصادر متعددة.
- علاقة النصوص الكونية بعقيدة العصمة.
- مفهوم العلم اللدني والتسديد الإلهي عند أهل البيت عليهم السلام.
وبذلك لا تكون هذه النصوص مجرد مادة تراثية، بل نافذة معرفية تجمع بين الإيمان والعقل والتأمل في الخلق، وتدعو إلى قراءة أعمق لكلمات أهل البيت عليهم السلام بوصفها كلمات صادرة عن مقام علمي وروحي متصل بمنبع الهداية الإلهية.
المراجع
- الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي، ج4، ص190.
- الشريف الرضي. نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، الخطبة 91.
- الطبرسي، أحمد بن علي. الاحتجاج، ج2.
- المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار، ج4، ص67.






