تشهد المجتمعات في مختلف البيئات ظاهرة فكرية وإنسانية أصبحت أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة وهي ما يمكن تسميته بـ “الشخصية اليقينية” تلك الشخصية التي تتعامل مع آرائها باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل الحوار أو المراجعة، يتميّز هذا النمط بالتمسّك الشديد بقناعاته ورفضه الواضح للاستماع لوجهات النظر الأخرى مع ميل لإصدار أحكام قاطعة على الأشخاص والمواقف.
ورغم أن الثقة بالنفس قيمة إيجابية، إلا أن تحول الرأي إلى يقين مطلق يضع صاحبه في دائرة من الجمود الفكري ويجعله عاجزاً عن التطور كما يدفعه للدخول في صراعات مستمرة مع محيطه لاثبات صحة رأيه.
اليقين… حين يتحوّل إلى حالة من الانغلاق
يرى متخصصون في علم النفس الاجتماعي أن الشخصية اليقينية غالباً ما تنشأ في بيئات تعتمد التلقين أكثر من الحوار فينشأ الفرد مقتنعاً بأن ما تربّى عليه يمثل الحقيقة الكاملة وأن مراجعة أفكاره ضعف أو تراجع.
وفي المنظور الإسلامي، يُحذَّر من هذا النمط من التفكير، استناداً إلى قوله تعالى:“أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ” في إشارة إلى أن اتباع الهوى قد يتجسد أحياناً في صورة يقين متصلّب يرفض صاحبه أن يراجع نفسه.
مثال واقعي: موظف بخبرة طويلة يرفض حضور أي دورة تطوير ويقول بثقة: “خبرتي تكفيني.” لكن أداءه يظل ثابتاً لسنوات دون أي تطور ملموس.
الحوار لدى الشخصية اليقينية… معركة لا مساحة فيها للتبادل
لا يدخل صاحب الشخصية اليقينية الحوار بحثاً عن المعرفة بل بحثاً عن إثبات صحة رأيه حتى إن واجه أدلة تُبيّن خطأه فإنه يرفضها مفضلاً أن ينتصر لرأيه على أن ينتصر للحق، ويشير علماء الشريعة إلى حديث النبي (ص): “الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس.” أي رفض الحق واحتقار الناس وهو ما ينطبق بشكل مباشر على هذا النمط المعقد وكما قيل في المثل الشعبي “عنزة وإن طارت.”
مثال واقعي: شاب يناقش مسألة دينية، فيُقدَّم له رأي العلماء وأدلتهم لكنه يردّ قائلاً: “أنا مقتنع ولن أغيّر رأيي.” وبذلك يتحول الحوار إلى جدل عقيم بلا نتيجة.
إصدار أحكام قاطعة… دون معرفة كافية
الشخصية اليقينية تتسرع في إصدار الأحكام وترى العالم في صورة “صح مطلق” أو “خطأ مطلق” دون اعتبار لتعقيدات التجارب البشرية أو اختلاف الظروف بين الناس هذا السلوك يؤدي إلى توتر العلاقات الاجتماعية ويخلق فجوة بين الفرد ومحيطه بل والتذمر من حضوره.
مثال واقعي: سيدة تنتقد طريقة تربية صديقتها لأطفالها وتقول: “هذا خطأ… وطريقتي هي الصحيحة.” وذلك دون محاولة لفهم الأسلوب الآخر أو أسبابه.
غياب تقدير الحرية والاختلاف
يتسم هذا النمط بضيق في تقبّل حرية الآخرين في الاختيار إذ يعتقد صاحبه أن رأيه ليس فقط صحيحاً بل هو الأصل الذي يجب أن يقتنع به الجميع، ويتعارض ذلك مع سنة الاختلاف التي وردت في قوله تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً.”
مثال واقعي: أب يفرض على أبنائه دراسة تخصص معين لأنه يراه الأفضل للجميع متجاهلاً اختلاف ميولهم وقدراتهم.
لماذا يصعب الاعتذار على الشخصية اليقينية؟
يرى خبراء السلوك أن أصحاب هذا النمط يجدون صعوبة في الاعتذار ليس لأنهم لا يخطئون بل لأن الاعتذار ينتقص من صورة “الكمال” التي صنعوها لأنفسهم فالاعتراف بالخطأ يحتاج إلى مرونة وتواضع وهما ما يفتقر إليه الشخص اليقيني.
مثال واقعي: رجل يسيء لزوجته أثناء غضبه ثم يدرك خطأه لاحقا لكنه لا يعتذر خشية أن تهتز صورته أمام نفسه قبل الآخرين.
أثر الشخصية اليقينية على البيئة الاجتماعية والمهنية
تُحدث هذه الشخصية توتراً في محيطها لأنها تميل إلى تعطيل الحوار وإضعاف التعاون ففي بيئات العمل تُصبح عقبة أمام الابتكار والتطوير حيث تُغلّب رأيها على العمل الجماعي وتُقلّص مساحة الحوار البنّاء.
هل يمكن أن يتغير هذا النمط المعقّد؟
يؤكد الباحثون أن التغيير ممكن لكنه يتطلب وعياً ذاتياً وشجاعة للاعتراف بالقصور وغالباً ما يبدأ التغيير حين يواجه الشخص مواقف صادمة تهزّ يقينه أو تكشف له أن الحقيقة أكبر من قناعاته الشخصية، ويخلص المختصون إلى أن أول خطوة في التغيير هي إدراك أن العلم بحر واسع وأن الحقيقة ليست ملكاً لفرد بل تُبنى بالحوار والتواضع والبحث المستمر.
أخيرا
الشخصية اليقينية تمثل نموذجاً فكرياً جامداً قد يُعيق الفرد والمجتمع معاً ومع أن اليقين قد يكون دافعاً قوياً في جوانب معينة إلا أنه حين يتحوّل إلى إلغاء للآخر وإغلاق للنقاش يصبح عبئاً على صاحبه ومنفرا لمن حوله، وما لم يُدرك الإنسان أن اليقين الحقيقي مرن ومتجدد وأن العقل ينمو حين يُفتح لا حين يُغلق فإن هذا النمط سيستمر في تشكيل عائق أمام نموه وتطوره.



