بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
إن من أعظم ما ابتُلي به الإنسان في هذه الحياة مرض الغرور، فهو من الآفات التي تفسد القلب وتُعمي البصيرة، وتدفع الإنسان إلى رؤية نفسه أكبر من حقيقتها، كما أن من الخطأ المقابل له تحقير النفس واليأس من رحمة الله تعالى، فكلا الأمرين مذموم في الشريعة الإسلامية.
فالإنسان خُلق مفطوراً على حب الخير والكمال والرقي، ويسعى بطبعه إلى تحسين أوضاعه الدينية والاجتماعية والأخلاقية، ولكن عندما يضعف سلطان العقل وتغلب وساوس الشيطان، قد يقع في الغرور فيرى نفسه فوق الآخرين، أو يحتقر نفسه ويظن أنه لا قيمة له ولا قدرة له على الإصلاح والخير، وكلا الطريقين منحرف عن جادة الحق.
لقد ترك الله تعالى أمر تزكية النفوس إليه، وأمر العباد بالعمل الصالح والسعي في مرضاته، فالإنسان لا يُقاس بعظمة دعواه، بل بعظمة أفعاله وأخلاقه ومواقفه. والعظيم حقاً هو الذي يسعى للإصلاح بين الناس، ويجمع القلوب، ويطفئ نار الفتن والخلافات، ويكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر.
ومن المؤسف أن بعض الناس إذا رأوا شخصين بينهما خصومة ثم بادر أحدهما إلى الصلح أو الزيارة أو فتح باب المودة، بدلاً من أن يشجعوا هذه الخطوة المباركة ويثنوا عليها، أخذوا يطعنون في النيات ويتهمون صاحب المبادرة بتقلب النفس أو ضعف الموقف أو التراجع عن رأيه. وهذا السلوك لا يخدم المجتمع ولا يعالج المشكلات، بل يزيد الفجوة بين الناس ويؤجج الخلافات.
إن الإسلام لم يدعُ إلى القطيعة، بل دعا إلى الإصلاح والعفو والتسامح، وجعل الإصلاح بين المؤمنين من أفضل الأعمال وأعظم القربات إلى الله تعالى. فالذي يبادر إلى الصلح إنما يرتقي بنفسه فوق الأحقاد والضغائن، ويقدم مصلحة الدين والمجتمع على رغبات النفس وحظوظها.
أما الذين يسعون إلى إبقاء الخصومات مشتعلة، ويغذون الخلافات بالكلمات والإشاعات وسوء الظن، فإنهم يحرمون أنفسهم من فضيلة الإصلاح، ويقفون في طريق الخير الذي أمر الله به. فبدلاً من تشجيع المتخاصمين على التقارب، يزرعون الشكوك ويثبطون كل محاولة للمصالحة، وكأنهم لا يريدون للقلوب أن تتصافى ولا للنفوس أن تتآلف.
إن المؤمن الحقيقي يفرح عندما يرى أخاه يخطو خطوة نحو الصلح، ويعتبر ذلك انتصاراً للأخلاق والقيم الإسلامية، لا سبباً للانتقاد أو الاتهام. فكم من خصومة انتهت بكلمة طيبة، وكم من قطيعة زالت بزيارة صادقة، وكم من قلوب اجتمعت بعدما كادت أن تتباعد بسبب تدخل المصلحين وأصحاب النيات الحسنة.
فلنحذر من الغرور الذي يجعل الإنسان يظن أنه وحده على حق، ولنحذر كذلك من أن نكون عوناً للفرقة والخلاف. ولنجعل من أنفسنا جسوراً للمحبة والتواصل، ودعاةً للإصلاح والوئام، فإن خير الناس من أصلح بين الناس، وسعى إلى جمع الكلمة ووحدة الصف.
طوبى لمن جعل من حياته طريقاً للإصلاح، وطوبى لمن لم تقتله قاتلات الغرور، ولم تمنعه الأهواء من مد يد الخير والمصالحة، وسعى إلى مرضاة الله تعالى بخدمة عباده وجمع قلوبهم على المحبة والإخاء.



