في كل وطن رجالٌ يعرفهم زملاؤهم، وتعرفهم مواقع العمل، لكن المجتمع لا يعرف أسماءهم إلا حين تحملها نشرات الأخبار في لحظة فاجعة. يعملون بعيدًا عن المدن، وفي قلب الصحارى، وعلى منصات البحر، وبين الأنابيب والمعامل، وفي ظروف لا تخلو من المشقة والمخاطر، ليبقى الوطن نابضًا بالحياة، وتستمر عجلة التنمية في الدوران.
لقد أعادت فاجعة طائرة أرامكو، التي فقد فيها الوطن عددًا من أبنائه وهم في طريقهم إلى أداء واجبهم، تسليط الضوء على فئة عظيمة من أبناء هذا الوطن، طالما أدت رسالتها في صمت، دون أن تطلب شهرة أو تبحث عن أضواء.
جنود التنمية المجهولون:
لا تقوم نهضة الأوطان على السياسيين وحدهم، ولا على الأطباء ورجال الأمن وحدهم، على عظيم فضلهم جميعًا، وإنما تقوم أيضًا على آلاف الرجال والنساء الذين يعملون في المواقع الإنتاجية، وحقول النفط، ومحطات الكهرباء، والمصانع، والموانئ، والمناجم، وشبكات المياه، وسائر المرافق الحيوية.
هؤلاء هم الذين يباشرون أعمالهم قبل طلوع الشمس، ويقضون ساعات طويلة في بيئات قاسية، قد ترتفع فيها درجات الحرارة، أو تشتد فيها الرياح، أو تفرض طبيعة العمل أعلى معايير السلامة والانضباط. ورغم ذلك، فإنهم يواصلون أداء واجبهم بإخلاص، لأنهم يدركون أن ما يقومون به ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية وطنية.
رفاهية المجتمع: وراءها تعب لا يراه الناس
حين يضيء المصباح في المنزل، أو تصل الوقود إلى المركبات، أو تستمر المصانع في الإنتاج، أو تتحرك عجلة الاقتصاد، فإن وراء كل ذلك منظومة ضخمة من العاملين الذين يبذلون جهودًا يومية لا يشعر بها معظم الناس.
إن كثيرًا من مظاهر الرفاهية التي اعتدناها أصبحت بالنسبة إلينا أمورًا بديهية، بينما هي في الحقيقة ثمرة لسنوات من التخطيط، وآلاف ساعات العمل، وتضحيات بشرية كبيرة، يقدمها رجال يعملون بعيدًا عن الأنظار.
ولو توقف هؤلاء عن أداء أعمالهم أيامًا معدودة، لأدرك الجميع حجم الدور الذي يقومون به، وأهمية ما يقدمونه للوطن.
لماذا لا نتذكرهم إلا عند الفواجع؟
من المؤلم أن كثيرًا من أصحاب المهن الشاقة لا يحظون بالتقدير المجتمعي إلا عندما تقع حادثة مؤلمة أو كارثة مفجعة. حينها فقط تبدأ الكتابات، وتُتداول الصور، وتُذكر الأسماء، ثم لا تلبث أن تعود إلى دائرة النسيان مع مرور الأيام.
إن ثقافة الوفاء الحقيقية لا ينبغي أن ترتبط بالمآسي وحدها، بل يجب أن تتحول إلى وعي دائم يقدّر كل من يسهم في بناء الوطن، مهما كان موقعه أو طبيعة عمله.
فالإنسان الذي يعمل في منشأة صناعية، أو في منصة بحرية، أو في محطة كهرباء، أو في حقل نفطي، لا يقل قيمة عن أي صاحب رسالة أخرى، لأن الجميع يشكلون حلقات متكاملة في منظومة الوطن.
الشهادة في ميادين العمل:
ليس كل شهداء الواجب يحملون السلاح، وليس كل من يخدم وطنه يقف على الحدود أو في المستشفيات. فهناك من يخرج كل صباح ليؤدي عمله في بيئات عالية الخطورة، مدركًا أن طبيعة المهنة قد تحمل مخاطر لا يمكن إلغاؤها بالكامل رغم أعلى معايير السلامة.
وهؤلاء أيضًا يقدمون للوطن أعمارهم وجهودهم، ويستحقون أن يُنظر إليهم بعين التقدير والامتنان، وأن تُخلّد تضحياتهم في ذاكرة المجتمع.
ثقافة الوفاء مسؤولية مجتمعية:
إن الوفاء لا يكون بمجرد كلمات الرثاء بعد الرحيل، وإنما يبدأ بغرس احترام جميع المهن في نفوس الأجيال، وتعليم الأبناء أن بناء الوطن مسؤولية مشتركة، وأن كل عامل مخلص يؤدي دوره بإتقان هو شريك في صناعة المستقبل.
كما أن من الوفاء أن تُروى قصص هؤلاء العاملين، وأن تُبرز نماذجهم في وسائل الإعلام، وأن يُعرف المجتمع بحجم ما يقدمونه من جهود وتضحيات، حتى يدرك الجميع أن التنمية ليست أرقامًا ومشروعات فقط، وإنما هي قبل ذلك الإنسان الذي يقف خلفها.
الإنسان أعظم استثمار:
لقد أثبتت التجارب أن أعظم ثروة تمتلكها الدول ليست مواردها الطبيعية، وإنما الإنسان المؤهل المخلص. فالمعامل يمكن إعادة بنائها، والمنشآت يمكن إصلاحها، أما الإنسان الذي يفقده الوطن وهو يؤدي واجبه، فإنه خسارة لا تعوض.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، والمحافظة على سلامته، وتقدير جهوده، والاعتراف بفضله، والدعاء له في حياته وبعد مماته.
الرسالة الذهبية:
لقد كانت فاجعة طائرة أرامكو حدثًا مؤلمًا هز مشاعر الجميع، لكنها في الوقت نفسه أعادت التذكير بحقيقة كثيرًا ما تغيب عن الأذهان، وهي أن وراء ما ننعم به من أمن اقتصادي واستقرار معيشي رجالًا يعملون في صمت، ويقدمون من أعمارهم وصحتهم وراحتهم ما يجعل حياة الآخرين أكثر أمنًا ورفاهية.
رحم الله شهداء الواجب، وأسكنهم فسيح جناته، وجزى أسرهم خير الجزاء على ما قدموه للوطن. وحفظ الله جميع العاملين في ميادين الإنتاج والخدمات، وجعل تقديرهم ثقافة راسخة في مجتمعنا، لا تستيقظ مع الفواجع ثم تغفو، بل تبقى وفاءً دائمًا لكل يدٍ مخلصة أسهمت في بناء هذا الوطن ونهضته.



