ورد عن الإمام الحسين عليه السلام أنه قال:
«إذا وردت على العاقل لَمَّةٌ، قَمَعَ الحُزنَ بالحَزم، وقَرَعَ العقلَ للاحتيال.» [١]
وفي بعض الروايات: مُلِمَّةٌ
هذه الكلمة الموجزة ترسم منهجًا متكاملًا في التعامل مع الأزمات؛ فهي لا تدعو إلى إنكار الألم، ولا إلى الاستسلام له، وإنما تدعو إلى قيادة المشاعر بالحكمة، وتسخير العقل للبحث عن الحلول. فالإنسان قد لا يملك أن يمنع وقوع المحنة، لكنه يملك أن يختار الطريقة التي يواجهها بها.
إضاءات لغوية:
الألفاظ الثلاثة متقاربة في المعنى، لكنها ليست مترادفة تمامًا، ولكل منها دلالة لغوية خاصة:
أولًا: لَمَّةٌ
اللَّمَّة: هي النازلة أو الشدة التي تَلُمُّ بالإنسان؛ أي تنزل به فجأة وتصيبه.
اللَّمَّة: الشِّدَّةُ أو الدَّهْرُ. [٢]
يقال: ألمّت به لَمَّة، أي أصابته مصيبة أو أزمة أو همّ عارض، وهذا اللفظ يوحي غالبًا بالأمر الطارئ الذي يحتاج إلى حسن تدبير.
ثانيًا: مُلِمَّةٌ
المُلِمَّة اسم فاعل من الفعل ألمَّ، أي نازلة أو حادثة تُلِمُّ بالإنسان، و تعني النّازلةُ الفظيعة.
ولهذا يقال مُلِمَّة الدهر، و مُلِمَّات الزمان.
وهي أشهر في اللغة للدلالة على الشدائد والكوارث والنوائب.
المُلِمّة : النازلة الشديدة من شدائد الدهر ونوازِل الدنيا [٣]
وقد تكون دلالتها أقوى من “لَمَّة”، إذ تستعمل غالبًا في الشدائد العظيمة.
الفروق الدقيقة:
- لَمَّة: نازلة أو شدة طارئة تصيب الإنسان، وهو اللفظ الوارد في كثير من المصادر.
- مُلِمَّة: نازلة شديدة أو مصيبة تحل بالإنسان، وهي أفصح ألفاظ الشدائد وأقواها استعمالًا في كلام العرب.
ولهذا فإن اختلاف الروايات بين «لَمَّة» و**«مُلِمَّة»** لا يغيّر المقصود العام من الحكمة.
الحزن شعورٌ طبيعي… لكن لا ينبغي أن يقود الإنسان:
جُبل الإنسان على التأثر عند المصائب، فيحزن لفقد الأحبة، أو المرض، أو الفشل، أو ضيق الرزق، وهذه كلها مشاعر فطرية لا يلام عليها الإنسان. لكن الخطورة تبدأ حين يتحول الحزن إلى قائد للعقل، فيشل التفكير، ويقتل الإرادة، ويغلق أبواب الأمل.
ولهذا بدأ الإمام الحسين عليه السلام بقوله: «قمع الحزن بالحزم»؛ أي أن الإنسان لا يترك نفسه أسيرة لمشاعره، بل يضبطها بالصبر والثبات، حتى لا تتحول المحنة إلى انهيار نفسي.
الحزم بداية التعافي:
الحزم ليس قسوة على النفس، بل هو قوة في إدارتها. فهو القدرة على اتخاذ القرار الصحيح رغم الألم، والاستمرار في أداء الواجب رغم الصعوبات، وعدم السماح للمحنة بأن تعطل مسيرة الحياة.
فالناجحون ليسوا الذين لم يعرفوا الأزمات، وإنما الذين عرفوا كيف يمنعون الأزمات من السيطرة على عقولهم.
العقل يبحث عن الحل، لا عن الأعذار:
ثم يقول الإمام عليه السلام: «وقرع العقل للاحتيال».
والمقصود بالاحتيال هنا: الاجتهاد في طلب الحيلة المشروعة، والتفكير في الوسائل والحلول الممكنة للخروج من الأزمة، وليس المعنى المعروف اليوم من الخداع أو المكر.
فالإنسان العاقل إذا واجه مشكلة بدأ يسأل:
ماذا أستطيع أن أفعل؟ ما الحلول المتاحة؟ من أستشير؟ ما الخطوة التالية؟
أما الإنسان الذي يستسلم للحزن، فإنه يكرر السؤال نفسه: لماذا حدث هذا؟ ويبقى أسير الماضي دون أن يتحرك نحو المستقبل.
الأزمات تكشف معادن الناس:
في أوقات الرخاء قد تتشابه الشخصيات، أما عند الشدائد فتظهر الحقائق.
فهناك من تزيده المحنة قربًا من الله، وصبرًا، ونضجًا، وإصرارًا، فيخرج منها أقوى مما كان.
وفي المقابل، هناك من تجعله الأزمة يفقد ثقته بنفسه، ويستسلم لليأس، ويغلق على نفسه أبواب الأمل.
ولذلك كانت الأزمات ميزانًا يميز بين من يقود نفسه، ومن تقوده ظروفه.
بين رد الفعل والانفعال:
من أخطر ما تفعله الأزمات أنها تدفع بعض الناس إلى اتخاذ قرارات متسرعة تحت تأثير الانفعال.
أما الإمام الحسين عليه السلام فيرشدنا إلى أن تكون القيادة للعقل، لا للعاطفة.
فالعاطفة تُشعر، لكن العقل يقرر، والحزن يصف الألم، أما الحكمة فترسم طريق الخروج منه.
ولهذا فإن الإنسان كلما منح نفسه شيئًا من الهدوء قبل اتخاذ القرار، كان أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الندم
ليس كل من يتألم ضعيفًا، وليس كل من يبكي عاجزًا، وإنما الفرق الحقيقي يكمن فيما بعد الانفعال.
فهل يتحول الألم إلى دافع للعمل؟ أم يصبح سببًا للشلل والتراجع؟
إن الإمام الحسين عليه السلام يعلمنا أن المشاعر ينبغي أن تكون بدايةً للتفكير، لا نهايةً له.
الاعتراف بالمشكلة أول طريق الحل
من الأخطاء الشائعة أن يحاول الإنسان إنكار أزمته، أو الهروب منها، أو تحميل الآخرين مسؤوليتها كلها.
أما المنهج العقلائي فيبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، ثم التفكير الهادئ في معالجته، خطوة بعد أخرى.
فكل مشكلة مهما عظمت، يمكن أن تصبح أخف أثرًا عندما تُدار بعقل هادئ، ونفس صابرة، وإيمان راسخ.
مدرسة كربلاء… التطبيق العملي لهذه الحكمة
لم تكن هذه الكلمات مجرد موعظة نظرية، بل جسدها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء. حيث كانت انعكاسًا لحياته كلها.
ففي كربلاء، وسط الحصار، وفقد الأحبة، وشدة الكرب، بقي ثابتًا، حاضر العقل، واضح الرؤية، يدير أصحابه، ويثبت أهل بيته، ويخاطب أعداءه بالحكمة والمنطق، فلم يسمح للألم أن يسلبه اتزانه، ولا للمحنة أن تضعف بصيرته.
لقد واجه أعظم المحن بثبات القلب، ورباطة الجأش، وصفاء البصيرة، فلم يسمح للألم أن يعطل حكمته، ولا للخطر أن يفسد قراره، بل بقي يدير الموقف بعقل المؤمن، وقلب الواثق بالله، حتى أصبحت كربلاء مدرسة خالدة في الصبر، والثبات، وحسن إدارة الأزمات.
وهكذا يعلّمنا أن قوة الإنسان ليست في غياب الأزمات، وإنما في حسن إدارتها، وأن البطولة الحقيقية ليست في ألا نحزن، بل في أن نحول الحزن إلى صبر، والابتلاء إلى عمل، واليأس إلى أمل.
الرسالة الذهبية:
إن الحياة لا تخلو من النكبات، ولكنها أيضًا لا تخلو من وسائل تجاوزها، لكن الفرق بين الناس ليس في كثرة ما يواجهونه من محن، وإنما في طريقة التعامل معها.
ومن أجمل ما يرشد إليه الإمام الحسين عليه السلام أن الإنسان إذا نزلت به الشدائد، فلا يجعل الحزن سيدًا على قلبه، ولا اليأس قائدًا لعقله، بل يقابل المحنة بالحزم، ويستعين بعقله في البحث عن الحلول، ويستمد من إيمانه قوة الصبر والثبات.
فبهذا المنهج تتحول المحن من عوائق في الطريق إلى محطات للنضج، ومن أسباب للانكسار إلى أبوابٍ للقوة، ويصبح الإنسان أكثر حكمةً، وأشد ثباتًا، وأقرب إلى الله تعالى.
وهكذا تبقى كلمات الإمام الحسين عليه السلام منهجًا خالدًا في بناء الإنسان؛ تعلمه أن الأزمات ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة من القوة والحكمة، إذا واجهها بعقل واعٍ، وقلب مؤمن، وإرادة لا تعرف الاستسلام.
هوامش:
[١] شرح إحقاق الحق، ج ١٩، السيد المرعشي، ص ٤٣٥، العقل والجهل في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص ١٢٨، جواهر الحكمة للإمام أبي عبد الله الحسين ( ع )، محمد الريشهري، ص ١٨، موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )، ج ٢٣، مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية، ص ٥٩٠، موسوعة الإمام الحسين ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ، ج ٨، محمد الريشهري، ص ٣٦٤، موسوعة كلمات الإمام الحسين ( ع )، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم ( ع )، ص ٨٨٦
[٢] المعجم في اللغة والنحو والصرف والاعراب والمصطلحات، غريد الشيخ - مادة لمم
[٣] لسان العرب - مادة لمم



