في خضم تجاربنا الحياتية، قد نشعر أحيانًا بـ "الندم" أو "الحسرة"، وهما مصطلحان يمتزجان في الوجدان الإنساني ولكنهما يحملان دلالات مختلفة في العمق والأثر نوضحهما بالتالي: ـ
الندم: ـ هو شعور واعٍ ومؤقت، يأتي بعد ارتكاب خطأ أو اتخاذ قرارٍ خاطئ، ويكون مصحوبًا برغبةٍ صادقة في التراجع أو إصلاح ما يمكن إصلاحه. إنه صحوة ضمير تدفعُ الإنسانَ إلى تحسين سلوكه وتطوير ذاته؛ وقد ورد في هذا الشأن القول المأثور (ربّ ندمٍ ينفعك الله به، وربّ ندمٍ يضرك). إن الندم لا يعتبر دائماً أمراً سلبياً، بل هو الدليل القاطع على حيوية الضمير ووجود رغبة حقيقية في الارتقاء بالنفس وتصحيح المسار؛ فهو بمثابة جرس إنذارٍ داخلي يخبرنا بأننا قادرون على التغيير للأفضل.
أما الحسرة: ـ فهي ذاك الشعور المرير الذي ينتابنا بألم أعمق وأكثر قسوة، تنشأ عن فوات فرصةٍ ثمينة أو خسارةِ شيءٍ لا يمكن تعويضه. إنها حرارةُ شوقٍ لماضٍ لن يعود، ونظرة مليئة بالندم الذي تحول إلى عجزٍ عن الفعل. هو ذاك الشعور المرير الذي ينتابنا حين ندرك أن لحظاتٍ ثمينةً قد فاتتنا دون رجعة، وأن هناك فرصةً ذهبيةً ضاعت من أيدينا ولم يعد بالإمكان استعادتها. إنها حالة من الوقوف عند مفترق طرقٍ بين ما كان بالإمكانِ أن يكونَ وبين الواقعِ الذي نعيشه، مما يولد ألماً عميقاً يصعب نسيانهُ
وبمثال يتيم لتوضيح أكثر للفارق بين هذين المعنيين: ـ
عندما تفقد المجتمعاتُ شخصيةً علميةً أو دينيةً مرموقة، ينتقلُ أثرُ الفقدان بين الندمِ والحسرة؛ فالندمُ هنا يتمثلُ في تقصيرنا في التماس العلمِ من معينها الصافي حينَ كانت حاضرةً بين أيدينا، والرغبةِ في تعويضِ تلك الأيام , والتزودِ من حكمتِها. بينما الحسرةُ تكون أعظمَ وأكثرَ إيلامًا على خسارةِ منبعٍ من منابعِ المعرفةِ التي لا تُعوض، والشعور بفراغٍ لا يسدُهُ وجودُ بديلٍ آخر، وفي هذا المقام نستعيذ بالله من التراجع بعد التقدم كما في الدعاء الشريف "اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور" ومعناه ان نطلب من الله الحماية من التراجع والنقصان في الخير والفضل بعد الزيادة والرفعة فيه مثل ان ننتقل من الطاعة إلى المعصية او من حال حسن إلى حال سيئ
أخيرا ,, يجب ان ندرك قيمة الوقت والفرص التي بين أيدينا , فلنعمل دائماً على تحويل الندم إلى دافع للتطوير، ونجعل من الندمِ وقوداً لتحقيق التقدم، ونستلهمَ من الحسرةِ دروساً لنستغلَ بها اللحظات القادمة ونتعامل معها بشكلٍ أفضل حتى لا نقع في شباكها مرات متعددة.



