تعتبر مسألة الحيل الشرعية من المواضيع الفقهية الدقيقة التي أثارت جدلاً واسعاً في فقه أهل البيت عليهم السلام. فالأصل في هذه الحيل هو محاولة الوصول إلى نتائج معينة قد تكون محظورة، ولكن بطرق تبدو في الظاهر مشروعة.
ينقسم العلماء في هذا الشأن إلى فريقين: ـ
الفريق الأول: ـ يرى أن الحيل الشرعية تبطل المقاصد الشرعية وتؤدي إلى إلغاء الأحكام، مؤكدين على ضرورة الالتزام بباطن الحكم ونيته الحقيقية.
أما الفريق الآخر: ـ فهو يفرق بين الحيل التي تخرج عن إطارها الشرعي وتلك التي تستخدم وسائل مباحة للوصول إلى غايات مقبولة شرعاً، مثل المعاملات التجارية لتفادي الربا.
وعند النظر في تطبيقات معينة، نجد أن علماء ومراجع يشددون على أن العبرة بالقصد الحقيقي للمتعاملين، وأن وضع غطاء تجاري صوري لا يغير من كون المعاملة ربوية إذا كان الهدف الأصلي منها الاقتراض بفائدة.
من الأمثلة الشهيرة على ذلك الاقتراض بفوائد عن طريق شراء وبيع العينة: حيث يقوم شخص باقتراض مبلغ مالي من آخر، لكن بدلاً من القرض المباشر بزيادة، يبيع المقرض سلعة للمستقرض بثمن مؤجل، ثم يعود فيشتريها منه نقداً بثمن حالٍ أقل. هذه العملية تُعتبر حيلة للوصول إلى الربا بصورة بيع، وهناك من العلماء من يحرمها بشدة.
في الفقه الجعفري، تُعتبر الحيل الشرعية التي تؤدي إلى تحليل الحرام، مثل بيع العينة الذي ذكرناه باطلة ولا تجوز. وقد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أحاديث تؤكد على أن التدين الحقيقي يُبنى على الإخلاص والصدق في النية, وقد ورد عنهم أيضا التحذير من مغبة المخادعة او استخدام الحيل للتهرب من الواجبات او انتهاك الحرمات, مشددين على ان المعاملات تكون بالحقائق والمقاصد، لا بالمسميات والصور الظاهرة، وأن من يتحايل على الشرع لا يُقبل عمله.
وهذا هو أيضاً رأي المراجع المعاصرين، حيث يفتون ببطلان هذه المعاملات إذا كانت القصد منها التهرب من الأحكام الشرعية. وفتواهم في تلك الحيل الشرعية التي يقصد بها التوصل إلى تحليل حرام واسقاط واجب تعتبر باطلة ولا أثر لها.
ختاما ,, يتضح لنا أن الحيل الشرعية في الفقه الجعفري تنقسم بين من يرى فيها إبطالا للمقاصد , ومن يفرق بين التجاوز والاستخدام المشروع , وقد أجمعت المرجعيات على ان العبرة بالقصد الحقيقي , وان الواقع التجاري لا يغير من الاحكام الشرعية كما في مسألة بيع العينة. لذا يجب علينا الالتزام بروح الشريعة ومقاصدها , فالقصد منها التيسير في مواطن الضرورة , وليس التحايل لهدم أحكام الله او تضييع الحقوق , وعلينا تحري الدقة والأمانة بجعلنا تقوى الله نصب اعيننا في كل المعاملات.



