على عتبة الانكسار يولد الثبات :
الهزيمة الناتجة و اللاحقة بالإنسان في مواجهة أي أزمة عاصفة أو إخفاق في تحقيق هدف معين مرجعيتها لا تتعلّق بالمشكلة ذاتها ، بل هي نتاج روح اليأس و الإرادة المتهرّية و انبعاث التردد و الحيرة بسبب التشتت الفكري الذي يصاحبه حينها ، و إلا فإن حلول الشدائد في فناء الناس تتباين فيه المواقف و التعامل ، فهناك من يتحمل المسئولية و يعمل على البحث عن مخارج و حلول ممكنة ، و يواصل طريقه بعد النهوض مجددا دون أن تساوره الشكوك و التشاؤم من المستقبل .
و إذا ما نظرنا إلى علاقة الإنسان بالله تعالى و القرب منه و التزام خط الطاعة و الخوف منه عز و جل ، نجد أن بعض الأزمات و الظروف الحياتية الصعبة قد تكون مفتاحا للمراجعة الذاتية و العودة إلى القرب من الرحمة و المغفرة الإلهية ، كما أن التعامل بسذاجة أو غفلة أو تخلٍّ عن المسئولية و استهتار قد ينتهي و يتلاشى بسبب أن الفرد أصبح أكثر وعيا بالحياة و متطلباتها و عوامل الاقتدار و المُكنة فيها ، بسبب محنة اعتصرته آلامها و لكنه استعاد رشده و بصيرته و إدراكه بمجريات الأمور و الدور الوظيفي المناط به بحسب مكانته اللائقة بشأنه ، كما أن تلك الأزمات يخرج منها الإنسان الواعي بمجموعة من الدروس و أهمها التحلي بالصبر على المتاعب و التمسّك المستمر بخيط الأمل و انفراج الأمور المستعصية ، و يمكن لتلك المِحن أن تفرز وضعية و اتجاها مخالفا تماما للنضج العقلي ، فقد يتحوّل أصحاب الإرادات الضعيفة إلى شخص يائس ساخط فقد معنى وجوده و استسلم للصعوبات و لا يبدي أي حِراك أو عمل لمعالجة ما يمرّ به من مصائب ، و الفرق بين الاثنين ليس في حجم المصيبة أو تشعباتها و تعقيداتها أو ظروفها الزمنية ، بل يكمن التباين و التمايز في طريقة النظر إليها بعين إيجابية فاعلة أو سلبية يائسة .
و لقد كان الإمام السجاد (ع) في منهجيته و سيرته و مواقفه يعلم الأمة أن المؤمن لا يقيس الأحداث بظاهرها و ما هي عليه من تأثير و ظلال ثقيلة ، و إنما ينظر إلى ما يمكن أن تولّده في داخله من قيم و مكتسبات يستفيدها و يقتنصها و يضيفها إلى رصيده الاقتداري ، فكل ألم قد يصبح بابا للصبر و الهمة العالية و المعالجة الممكنة لظروف لم تأسره و لم تمنع تقدّمه نحو خطوات مستقبلية ، و كل خسارة قد تفتح بابا معرفيا نحو انكشاف الحقائق و استبدال القناعات و وجهات النظر و الاتجاهات ، فقد تكون تلك الدمعة حسرة و ندما على ما قدّم في الماضي من معصية أو تقصير - مثلا - ، بابا يقرّب قلبه من خالقه و يضع رجليه على سكة الاستقامة و الثبات ، و لذا فإن البلاء ليس نهاية الطريق بل قد يكون بداية التحول الحقيقي نحو التكامل و التحلي بالفضائل ، فكثير من الشخصيات العظيمة لم تصنعها أوقات الراحة و الدِّعة و إنما صنعتها ساعات الشدة و الابتلاء ؛ لأن الأزمات تكشف المعادن الأصلية المدفونة تحت تراب الغفلة و الجهالة ، و تبدأ بعد محنة أو موقف صعب في التجلّي و الظهور و التحرر من أغلال العادات و السلوكيات السلبية ، فتتحرّر عنده الطاقات الكامنة و يعيد ترتيب أوراقه و حساباته و أولوياته ، فإن المحطات الصعبة و الأزمات تدفع الإنسان الواعي المستوعب لدروس الابتلاء و الاختبار نحو مراجعة نفسه و تصحيح مساره .



