يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقين)
تؤسس هذه الآية المباركة لقاعدة ذهبية في المنهج الإسلامي؛ وهي المماثلة والعدالة المطلقة. فالشريعة السمحة تبيح للمعتدَى عليه دفع العدوان واسترداد حقوقه بالقدر الذي وقع عليه تماماً، دون بغي أو تجاوز. وقد جاء اللفظ الرباني "فاعتدوا" هنا من باب المشاكلة اللفظية (لبيان التماثل في المقابلة)، وليس دعوة للاعتداء المحرّم. وتختتم الآية الكريمة بالتذكير بالتقوى ومراقبة الله، لتكون عاصماً للنفوس من الانجرار وراء رغبة الانتقام، ليبقى الإنسان دائماً في كنف معية الله ورعايته.
وقد شُرع الدفاع عن النفس ليكون بمثابة سياج منيع يحمي الأرواح والأعراض والأموال، في توازن دقيق يجمع بين نيل الحق والبعد عن البغي , فلا إفراط يهدر الحقوق، ولا تفريط يُبيح الظلم. وفي وصف بديع يلخص هذا التوازن النفسي والشرعي العظيم في شخصية المؤمن، يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام (جلد في غير غلظة، وقوة في لين) هذا القول صياغة تربوية بليغة لمعنى الاعتدال؛ فالجلد يعبر عن الصلابة والتماسك والقدرة على مواجهة الصعاب وتحديات الحياة دون السقوط في فخ القسوة أو العنف المتجاوز. بينما القوة في لين تعني الحكمة والرحمة والرفق في التعامل مع الآخرين، دون ضعف أو تفريط في الحقوق.
وحتى تكتسب حالة الدفاع مشروعيتها الشرعية والقانونية، لا بد من توافر ضوابط دقيقة اهما التالي: ـ
حتمية الخطر: أن يكون هناك خطر حقيقي، حالّ، وغير مشروع يهدد النفس أو المال.
الوسيلة الأخيرة: أن يكون رد الفعل هو السبيل الوحيد والمتاح لدفع هذا الخطر.
التناسب والقدر الحتمي: ألا تتجاوز القوة المستخدمة حد الحاجة الفعلية لدفع الأذى والضرر.
ولتوضيح هذا الميزان الشرعي الدقيق في واقع التطبيق، نورد مثالين محتملين: -
دفع الصائل (المهاجم): إذا هاجم شخصٌ آخر بقصد القتل، وكان بالإمكان شلّ حركته، أو إصابته، أو دفعه دون إزهاق روحه، لم يجز قتله؛ فالأصل الشرعي يقتضي الاكتفاء بالقدر الأدنى والأكفأ لرد العدوان.
حماية المال: إذا تسلل لصٌّ إلى منزل ليلاً بقصد السرقة، وكان بالإمكان طرده، أو تخويفه، أو رفع الصوت لطلب المساعدة، فلا يُشرع قتله طالما أمكن دفع شرّه بوسائل أقلّ حدة وأخف ضرراً.
ختاما ,, إن الدفاع الشرعي في جوهره ليس رخصة مفتوحة للعدوان أو الانتقام، بل هو استثناء دقيق محكوم بضوابط صارمة. تهدف الشريعة من خلاله إلى تحقيق العدالة المطلقة، وحفظ النظام المجتمعي، وضمان حماية الأرواح والممتلكات دون المساس بهيبة الحق أو تجاوز حدود الضرورة الشرعية.



