في عصرنا الحالي , نواجه تحديا يتمثل في تناقص الاهتمام بالعلوم الحقيقية وانشغال الكثيرين بالقشور , عندما نهمل قيمة العلم , سنفقد بوصلتنا الحقيقية ونبتعد عن طريق التقدم والازدهار. إنّ الذين لا يستمعون للحديث، ولا يروق لهم التفكر والتدبر في مظاهر الحياة ومواقفها اعتادوا دون شكّ أن يعيشوا لذاتهم، فيفكروا فيها فقط، ويحلموا لها، ويعملوا وفق ما تشتهي ذواتهم، لا وفق ما ينبغي. أولئك اعتادوا أن يسيروا عكس التيار دائماً، ويعتقدون أن الأمر كله لهم. وأنّ الدنيا حبالها بأيديهم، يشدونها متى شاءوا، يخلون سبيلها عندما يطيب لهم ذلك. ولن أستقصي كثيرًا، فالداء الذي استوطن عقولنا يأبى الرحيل.
وما من داءٍ أشدّ فتكًا بالمجتمعات من الجهل والتجهيل، وذلك ما نشكو منه؛ الجهل الذي لا يقف معناه عند خط ظاهر، أو معنى قديم، بل يقفز معناه فوق كلّ الضروب التي لا تعني إلا التأخر والتقهقر إلى الخلف. كما ان المأساة الكبرى، لا تكمن في قلة العلم، أو قلّة المتعلمين، فعلّتنا أننا لا نحبّ العلم لكونه علماً فحسب؛ ولا لأنه ذو فائدة ونفع كبيرين، ولكن لأنه وسيلة لكسب لقمة العيش، ولأنه طريق نتسابق فيه لنيل الرتب والمناصب، وكأننا نريد منه الذي لم يوضع له أصلاً، حتى فقد كثيراً من بريقه ومزاياه.
وأتمنى ان لا أكون مبالغا إن قلتُ أنّ مكانة العلم والمتعلمين قد انحدرت ولم تعد مكانتها كما السابق, فبات لا يثير فينا شيئا من المتعة التي كان يحققها في العقود الماضية. ولعلّ الملفت في هذه الكارثة أنّ العلم انفصل عن حياتنا، فصار لا يلامسها إلاّ في النزر اليسير في صفوف الدرس وقاعات المحاضرات.
قد انحدرت مكانة العلم وطالبوه في هذا الزمن، ليس لعيب في العلم ذاته؛ بل لتبدل المقاييس التي نستعملها في حياتنا، تلك الحياة التي تسيطر عليها قوى كثيرة مثل المحسوبيات والقوى الاقتصادية.
أصبح الكثير يشكك في القيمة الفعلية للعلم وفائدته لمعتقدات منها: ـ
- ان الكثير من المتعلمين لايزال قابع في الفقر والضائقة المالي
- التفاضل بين المتعلم وبين آخر يحصد الأموال من التجارة أو الزراعة أو لممارسته مهنة ما , بينما طريق التجارة أو الزراعة أو المهن لا تحتاج من سني الدرس ما يحتاجه طالب العلم
ختاما ,, إنّ العلم هو الذي يميز بين عقل وعقل، وبين حياة مجتمع وآخر, فيرفع القيم والمبادئ، ويسمو بالمثل، ويسير بصاحبه إلى راحة النفس، ومتعة الروح، والشعور بالنشوة. وقد تجمد العلم في حياتنا، ليس لأنه يتجمد؛ بل لأننا أردنا له ذلك، وكتبنا له أن يمرّ كيف نشاء نحن، لا كيف يشاء هو، فوصلنا إلى وصلنا اليه من الإحباط.



