وتذوب الأنا في حضرة الله تعالى :
أعظم ما تقدّمه أدعية الصحيفة السجادية هو إحداث ذلك التحول الكبير في شخصية الإنسان، والغوص في ما يحمله عقله من تصورات وأفكار؛ بغية الوصول إلى مسلك أخلاقي على أرض الواقع، تتجسد فيه تلك القيم والمضامين العالية . فالدعاء وقفة بين يدي الخالق العظيم، واستشعار لمعنى الافتقار إلى رحمته وغناه المطلق .
وحينئذ يتجلّى معنى العبودية لله تعالى، ويكتشف الإنسان ضعف نفسه، وينجلي غلاف الوهم بالعظمة والاقتدار والاستغناء عن التدبير الإلهي . وهذه المعرفة التوحيدية تجعل الداعي يشعر بأنه يقف بين يدي الله تعالى كما وقف الإمام (ع)، فهو عبد لا يرى لنفسه مُلكا ولا حولا ولا قوة إلا بربه، وتدبيره لشؤون عباده، وتقليبهم بين محطات الابتلاء والاختبار .
كما أن تلك الأدعية المباركة تخلّص المرء من ثقل الادعاءات الزائفة، ومن تضخم الذات والاغترار بما يمتلكه من حطام الدنيا الزائل ، وحينئذ تتوارى الأنا، ويذوب داء التكبر؛ ليشرق بدلًا منها نور العبودية الخالصة لله تعالى، فلا يبقى في القلب متسع للتفاخر بما يأتيه من أعمال يقدم عليها؛ لأن القلب العامر بالصبغة الإيمانية يستشعر أن التوفيق إلى الأعمال الصالحة إنما هو فضل و توفيق إلهي .
وعندئذ يتحول كل شيء في خطاه وأحاديثه إلى اعتراف صادق بالفقر المطلق إلى الله، الغني المطلق عن العالمين، فلا يرى لنفسه وجودا مستقلا، ولا تأثيرا، ولا فاعلية إلا في إطار السنن الإلهية التي تُسيّر الحياة . فالإمام (ع) يعلمنا أن حقيقة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يفتقر إليه، وأن أعظم مقامات الكمال التي يمكن أن يبلغها هي أن يدرك العبد حاجته الدائمة إلى ربه .
وهذا الإدراك يترك أثرا عظيما في حياته، فلا يغفل عن ربه في رخائه، ولا ينساه في شدته، ولا يرى في الكون ملجأً يأوي إليه في ساعات تعبه وآلامه إلا الركون إلى رحمته سبحانه، والاعتصام بعفوه ولطفه .
وماذا يمكن أن يكون أثر هذه الومضة الإيمانية في قلب الداعي، وفي مسار حياته ؟
حين يبلغ القلب هذه المنزلة، ويتعلق بالمشيئة الإلهية، ولا يفقد الرجاء والأمل بالله تعالى، تنكسر قيود الخوف والقلق، وتتلاشى أوهام الاعتماد على المخلوق، ويذوب الاضطراب الذي يسكن القلب، ويورث صاحبه تشوش الفكر، ويفقده الاتزان النفسي والوجداني أمام تقلبات الأيام؛ لأن من عرف أن زمام الأمور كلها بيد الله تعالى أيقن أن ما يُقدّره له هو الخير، مهما خفي عليه وجه الحكمة في بعض المشاهد .
فالبلاء، وإن خفيت حكمته، يحمل في طياته أسرارا ودروسا تسهم في صناعة الشخصية، وتضيف إلى رصيد الإنسان من الخبرة والإيمان الشيء الكثير، متى ما أحسن التعامل معه بالصبر والطمأنينة وحسن الظن بالله تعالى .
ولذا كانت أدعية الإمام السجاد (ع) مدرسة في تهذيب الروح، وتربية النفس على الصبر، وتزكية الضمير بالإخلاص، فهي تعيد ترتيب الأولويات، فتجعل رضا الله تعالى غاية، والاعتماد عليه منهجا للحياة، وكلما أكثر المؤمن من قراءة هذه المناجيات، انكشفت له حقيقة نفسه، فدعته إلى مراجعة غروره، ومحاسبة تقصيره، وتجديد عهده بربه، حتى يصبح الدعاء رحلة من النفس إلى الله تعالى، تنقله من ضفة الاضطراب والقلق، التي تصنعها أمواج الحياة العاتية وصفعاتها المؤلمة، إلى شاطئ السكينة والطمأنينة، بيقين راسخ بأن مقاليد الأمور كلها بيد الله تعالى .
لأنك مصدرنا الأول .. شاركنا أخبارك موثقة بالصور .. قضية .. مقال .. وذلك بالإرسال على رقم خدمة الواتساب 0594002003
- 2026-08-02 المرور: 3 مزايا لـ استعراض رخصة القيادة الرقمية عبر أبشر أفراد وتوكلنا
- 2026-08-02 تمديد فعاليات موسم تمور المدينة حتى الثلاثاء المقبل
- 2026-08-01 فتح باب القبول بالكليات العسكرية للخريجين الجامعيين الأحد
- 2026-08-01 ارتفاع الحرارة على الشرقية والرياض.. وأمطار رعدية ورياح تحدّ من الرؤية بعدة مناطق
- 2026-08-01 الشيخ الأحمد: الإمام الرضا (ع) مدرسة للثبات على الحق والأربعين تجسد مشروع الإصلاح الحسيني
- 2026-07-31 هل الكركديه الساخن يرفع الضغط والبارد يخفضه؟.. استشاري يوضح
- 2026-07-31 جامعة طيبة تفتح التسجيل في برنامج “جدير” لطلبة الصف الثالث الثانوي
- 2026-07-31 المملكة تستضيف الأدوار النهائية من دوري أبطال آسيا للنخبة
- 2026-07-31 ميزانية الربع الثاني: 338 مليارا إيرادات و373 نفقات
- 2026-07-31 بعد أن طلبت 3 دول مليون دولار.. السعودية تتكفل مجانًا بفصل توأم سيامي من فيجي
السيد فاضل علوي آل درويش



