في عالم الفكر والمعرفة، لا يجب أن ننساق وراء اليقين المطلق المبني على جهل، بل يجب أن نتبصر في الأمور ونستعين بالعقل والأدب. فالإنسان العاقل مدركٌ تماماً أن التسرع في الجزم والقطع بالشيء دون بيّنة ليس من شيم أهل الحكمة، وأن الشك والظن القائمين على الاستدلال والتحليل أجدى وأقرب للحق من يقينٍ أعمى يُورث صاحبه التهلكة.
لقد جاء التوجيه الإلهي ليضع المنهج القويم في التثبت والابتعاد عن الظنون الكاذبة والأوهام السطحية؛ يقول تعالى في كتابه الكريم (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) وهو توجيه قرآني حكيم يحثنا على التثبت وعدم الأخذ بالأوهام والتخمينات التي لا أساس لها، ليُرسخ مبدأ المسؤولية الفكرية والعلمية في كل ما يُقال أو يُعتقد.
وفي هذا السياق التنويري، ينكشف لنا عمق المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين قال (ظَنُّ الْعَاقِل خَيْرٌ مِنْ يَقِين الْجَاهِل) ولتوضيح هذا المعنى العميق، ينبغي التمييز الدقيق بين (سوء الظن المنهي عنه) وبين (حدس العاقل المبني على المعرفة والخبرة)
ولتفكيك هذه الرؤية الحكيمة , يجدر بنا التفرقة الدقيقة بين نوعين من الظن يتفاوتان في المنهج والنتيجة حتى لا يُظَنَ ان كل حدس مذموم ولا كل يقين محمود: ـ
- الظن المذموم (سوء الظن): يتجلى في قول الله تعالى: *﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ فالآية الكريمة تحذر من سوء الظن بالناس والتجسس عليهم، وهو أمر محرم يضر بالعلاقات الاجتماعية ويقطع أواصر الثقة بين البشر.
- ظن العاقل المحمود: هو التوقع المبني على البصيرة والخبرة، ويعتمد على تحليل الوقائع وتفكيك المعطيات للوصول إلى الحقيقة. إنه ليس خبط عشواء، بل استشراف واعٍ يقرأ ما بين السطور.
وفي مقارنة بين التوقع الواعي واليقين الزائف: قد نرى شخصاً يتبع حدسه أو توقعه في مسألة مبنية على دراية وخبرة، وتكون حدسيته هذه أقرب للصواب وأكثر ملامسة للواقع من رأي شخص آخر يظن أنه على يقين تام، ولكنه يقين مبني على جهل مطبق وتعصب أعمى.
ختاماً: لا بد ان تكون هناك بصيرة في مواجهة الجمود , إن الظن المبني على بصيرة يتجاوز التخمين السطحي ليكون نتيجة لتحليل عميق للوقائع والمجريات، بينما اليقين الزائف غالباً ما ينبع من التعصب وعدم القدرة على التمييز بين الحق والباطل، مما يوقع صاحبه في خيبة الأمل. ولذا، فإن العاقل الحقيقي هو الذي يدرك حدوده، فيكون ظنّه المبني على العلم والنظر خيراً ألف مرة من "يقين" زائف لا يورث إلا التخبط والجهل.



