تسكت الأنا ويتكلم القلب :
تحصيل الطمأنينة والراحة النفسية وسط زحام الحياة، ومطالبها، ومشاغلها، وظروفها الصعبة، ليس سهل المنال لمن انشغل قلبه بالملذات، واللهث خلفها، ورتّب خطاه على إيقاعها، أما من فوّض أموره إلى الله تعالى، وسكن فؤاده إلى القناعة بما رزقه الله سبحانه في مختلف جوانب حياته، فإنه ينظر إلى الشدائد والأزمات بعين الابتلاء الإلهي والاختبار لصدق إيمانه، لا بعين السخط والاعتراض .
وهكذا يفيض قلبه طمأنينة ويقينًا بالتدبير الإلهي لشؤون الكون وما فيه، وتتبدد من نفسه هواجس القلق من المستقبل وما تحمله الأيام من لحظات عسيرة؛ لأنه تحرر من أسر ذاته وملذاتها، وذاب في أفق العبودية الخالصة لله تعالى، والرضا بقضائه، وإنما يشتد ضيق القلب، ويتعكر صفو الفكر، بسبب تضخم الأنا، وكثرة تعلق النفس بالأماني، فتتعاظم الآلام والحسرات؛ لأنه جعل من نفسه مركز الوجود، وربط سعادته بما يملك، وشقاءه وخيبته بما يفتقده .
أما النفس المطمئنة، فترى أنها تملك كل شيء بما قسمه المولى لها من أرزاق، وما قدّره لها من محطات ابتلاء؛ لأن سر القوة والاقتدار يكمن في روح اليقين الساكنة بين جوانحها، وتسليحها بالصبر والخوف من الله تعالى. فإذا عرف الإنسان ربه معرفة المحب الواثق، وأيقن أن جميع الأمور تجري بتدبير الحكيم الرحيم، انكسرت أنانيته، وتهاوت أوهام العظمة والاقتدار أمام عظمة الله سبحانه، وبدأ القلب يتحرر من القلق؛ لأنه لم يعد يستند إلى قوته المحدودة، التي تعجز عن معونته في كثير من المواطن، بل إلى قدرة الله تعالى اللامتناهية .
ولذلك كانت المضامين العالية في الأدعية الشريفة تدعو الإنسان إلى تهذيب الأنا، لا إلى إلغاء الذات؛ فبدلا من السير خلف الأوهام والأماني الكاذبة بالاقتدار، يتحرك بنفس مطمئنة تعيش السكينة والهدوء في أوج الابتلاء، فتلك الروح الإيمانية ثابتة، لا تعصف بها رياح الحياة العاتية، ولا تهزها صفعات الابتلاء المؤلمة، ولهذا قد يعيش الإنسان في رغد وسعة من العيش، وهو مضطرب القلب، بينما يعيش آخر في ضيق الدنيا وقسوة الظروف، لكنه يملك من السكينة والطمأنينة ما تعجز الدنيا كلها عن زعزعة بنيانه .
لقد ربّى الإمام السجاد (عليه السلام) المؤمنين على أن القلب إذا امتلأ بالله تعالى ثقة ويقينًا، فرغ مما سواه، وهذا لا يعني ترك العمل بالأسباب، أو التخلي عن المسؤوليات الملقاة على عاتقه، وإنما يعني الجمع بين العمل الجاد، والهمة العالية في مواجهة الصعاب، وبين التوكل على الله تعالى، والثقة المطلقة بتدبيره سبحانه .
فكلما ارتقت الروح في مدارج المعرفة بالله تعالى، وسعت إلى التخلّق بصفاته الجمالية، ازداد القلب خشوعا وتذللا، وانكسرت النفس بين يديه بعد أن خلعت رداء الكبر؛ لأن المعرفة الحقيقية تورث الهيبة، ولا تصنع التعالي، بل تغرس التواضع، وحسن التعامل مع الآخرين في المحيط الأسري والمجتمعي .
ولقد كان الإمام السجاد (عليه السلام) أنموذجا فريدا للعارف بالله تعالى، كما يتجلى ذلك في أدعيته وكلماته النيرة، وتجسدت آثار معرفته الحقة بالله عز وجل في جميع تفاصيل حياته وسيرته العملية بين الناس، فعُرف بالزهد، والعبادة، وسمو الأخلاق، وجمال المنطق، حتى غدا مدرسة خالدة في صناعة النفس المطمئنة، التي تسكت فيها الأنا، ويتكلم القلب .
لأنك مصدرنا الأول .. شاركنا أخبارك موثقة بالصور .. قضية .. مقال .. وذلك بالإرسال على رقم خدمة الواتساب 0594002003
- 2026-08-03 130 كاميرا ذكية تراقب شبكة الطرق على مدار الساعة
- 2026-08-03 غدًا الثلاثاء.. «قبول» تطرح المقاعد الشاغرة للتقديم المباشر في التخصصات المتاحة
- 2026-08-03 دراسة حديثة: تقليل السكر في أول عامين من العمر يدعم صحة الدماغ
- 2026-08-03 ” البيئة ” تدشن مهرجان الرطب الأول باللشرقية
- 2026-08-03 “هيئة المسرح” تطلق مبادرة العمل والتعلّم في مدريد وأثينا
- 2026-08-03 طقس الإثنين.. أجواء شديدة الحرارة ورياح مثيرة للأتربة على عدة مناطق
- 2026-08-02 المرور: 3 مزايا لـ استعراض رخصة القيادة الرقمية عبر أبشر أفراد وتوكلنا
- 2026-08-02 تمديد فعاليات موسم تمور المدينة حتى الثلاثاء المقبل
- 2026-08-01 فتح باب القبول بالكليات العسكرية للخريجين الجامعيين الأحد
- 2026-08-01 ارتفاع الحرارة على الشرقية والرياض.. وأمطار رعدية ورياح تحدّ من الرؤية بعدة مناطق
السيد فاضل علوي آل درويش



