تستوي الحياة في تقلبها بين إشراق العافية وظلال الابتلاء، فلا يكتمل جمال الإنسانية إلا حين يلمس فيها الإنسان ضعفه فيستند إلى القوة الإلهية. إن العافية نعمة ينساب أثرها في هدوء الأيام، لكن الابتلاء بالمرض هو اللحظة التي تتجلى فيها أسرار الروح؛ فنستشعر القرب من الله وتسكن النفس إلى قضائه. وإن السقيم والمرافق له " على حد سواء "بحاجة إلى تأمل هذه المحطة الرحمانية؛ فالصحة لا تدوم عافيتها، والمرض ليس إلا معبراً لرفعة الدرجات وتطهير النفوس.
فإذا ما ألمَّ بالجسد ضُرٌّ، وأنهكه سقمُ الابتلاء؛ تستحيلُ الآلامُ منحةً إذا ما استقبلتها الروحُ برحابِ الصبر، مستنيرةً بسيرة أئمة الهدى آل النبي عليهم السلام، الذين خطوا بمسيرتهم معالم الثبات.
وتتجلى هذه الملامح في النقاط التالية:-
* تحويل الألم الجسدي والنفسي إلى ارتقاء روحي:
تمر الحياة بمحطات قد تثقل كاهل المرء بالمرض، سواء بالأمراض المزمنة التي ترافق الجسد لسنوات، أو بالابتلاءات المفاجئة التي تغير مجرى الأيام. إن هذا الألم الجسدي للمريض، والتعب النفسي والجهد الذي يعانيه ذووه ومرافقوه، ليس إلا تمحيصاً وتطهيراً خفياً للنفس، وصقلاً للإيمان، ورعاية خاصة من رب كريم رحيم يغسل بالابتلاء أوزار العبد ليرفعه مقاماً علياً.
* التسليم المطلق والرضا بمعززات القضاء:
إن أعظم مراتب السكينة تبدأ حين يتجاوز الإنسان (مريضاً كان أو مرافقاً) مرحلة "التحمل" إلى مرحلة "الرضا والتسليم"؛ فيوقن أن الجسد ملك لمولاه، وأن الخالق أرحم بعبده من نفسه. حينها يستشعر المريض وذووه أن كل ألم او أنّةٍ تخرج منه هي مناجاة خفية، وأن الحكمة الإلهية في هذا الابتلاء تكمن في صياغة روح صلبة تشهد لطف الله في قلب السقم والشدة.
* أُنْس الشكر والدعاء في ساعات الضعف:
في لحظات الشدة، حين تهدأ الأصوات وتتراجع الأسباب المادية، يفتح بين العبد وربه باب مباشر لا يغلق. يصبح المريض ومرافقه في فرصة لاقتناص لحظات الخلوة الإلهية؛ حيث يجد المريض في مناجاته وتسبيحه، ويجد ذووه في دعائهم وخدمتهم له، راحة تنزل على القلوب كالماء الثلج، ليتذوقوا حلاوة القرب التي قد تغفل عنها أوقات العافية.
* الاستنارة بالقرآن الكريم وهدي أهل بيت النبوة (عليهم السلام):
يتجلى التمسك بكتاب الله وعترة نبيه (عليهم السلام) كبلسم شافٍ ونور يضيء عتمة الألم، ويهدي المريض وذويه طريق الصبر والرضا؛ فالقرآن هو الشفاء والنور، وأهل البيت هم المعبّرون عنه بسيرتهم وأقوالهم. يقول تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) لبيان أن آيات الله سكينة للقلوب وشفاء للأرواح.
ويقول الله تعالى (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
* ومن هدي أهل بيت النبوة عليهم السلام قول الإمام الصادق عليه السلام (إن الصبر والبلاء يستبقان إلى المؤمن، فيأتيه البلاء وهو صبور) ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له) وفي قول منسوب للإمام الرضا عليه السلام (ما أحسن الصبر وانتظار الفرج)
ختاما ,, اعلموا يقيناً أن بعد كل عسر يُسراً يُزيل مرارته، وأن لكل ألم ومعاناة يتقاسمها المريض ومعينوه أجراً مذخوراً عند من لا يغفل ولا ينام. استريحوا من هموم التفكير، وألقوا بأجسادكم وأرواحكم في كنف القدر الرحيم؛ فإن لطف الله يبث في الأرواح المجهدة سكينة لا تُزعزعها عواصف الأيام.
سلامٌ على كل جسدٍ أضناه المرض فصبر وسلّم، وسلامٌ على كل روحٍ عرفت قدر العافية فشكرت ورضيت، وسلامٌ على كل أهلٍ وذوي مريضٍ حَمَلوا معه ثقل الابتلاء بالحب والصبر... والحمد لله في السراء والضراء، وعلى كل حال



