ليس كل من أساء إلينا يستحق أن نرد عليه بالإساءة، وليس كل من وقف في طريقنا يستطيع أن يمنعنا من الوصول إلى ما كتب الله لنا. فالحياة مليئة بالمواقف التي قد يتعرض فيها الإنسان للظلم، أو لسوء الفهم، أو لموقف عابر يُبنى عليه حكم قاسٍ، فيجد من يعاديه، ويغلق أمامه الأبواب، ولا يمنحه حتى فرصة ليشرح موقفه أو يصلح خطأه، وربما كان الظلم من الطرف الآخر منذ البداية.
وقد يظن بعض الناس أن امتلاك القدرة على التضييق على الآخرين أو إسقاطهم هو نوع من الانتصار، فينسون أن فوق الجميع ربًا لا يخفى عليه شيء، ولا تضيع عنده مظلمة، ولا يضيع حق مظلوم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾.
إن الإنسان قد يستطيع أن يمنع عنك فرصة، أو يغلق في وجهك بابًا، أو يشوه صورتك عند بعض الناس، لكنه لا يستطيع أن يغلق أبواب الله. وقد يظن أنه استطاع أن يوقف مسيرتك، فإذا بالله يفتح لك طريقًا آخر لم يخطر لك على بال، ويهيئ لك من الأسباب ما يعوضك عما فقدت، ويأخذ بيدك إلى مكان أفضل مما كنت تطمح إليه.
كم من إنسان ظن أن ظلمًا وقع عليه كان نهاية الطريق، ثم اكتشف بعد سنوات أنه كان بداية طريق جديد. وكم من باب أُغلق في وجه شخص، ففتح الله له أبوابًا أوسع وأكرم. وكم من شخص حاول آخرون إسقاطه، فإذا به ينهض أقوى، ويحقق من النجاح ما لم يكن ليحققه لو بقي في المكان الذي أرادوا حبسه فيه.
ولهذا لا ينبغي للمظلوم أن يجعل خصومه يتحكمون في مستقبله، ولا أن يقضي عمره في محاولة الانتقام ممن ظلمه. فهناك فرق كبير بين أن تأخذ حقك بالطرق المشروعة، وبين أن تجعل حياتك كلها تدور حول من أساء إليك.
ثق بأن الله يرى، ويعلم، ويقدر، ويعوض. وإذا كان الإنسان صادقًا في طريقه، مستقيمًا في عمله، لا يظلم أحدًا ولا يعتدي على حقوق الناس، فإن عثرته لا تعني نهايته، وسقوطه لا يعني أنه لن ينهض.
وقد يكون الشخص الذي أراد إسقاطك سببًا - من حيث لا يعلم - في أن تبحث عن طريق آخر، فتصل إلى نجاح لم تكن لتصل إليه في طريقك القديم.
فلا تحزن إذا وقف أحدهم في طريقك، ولا تجعل الظلم يقتل طموحك. امضِ في طريقك بهدوء، ودع الأيام تكشف الحقائق. لا تحمل في قلبك حقدًا، ولا تجعل الإساءة تغير أخلاقك، ولا تجعل خصومة شخص واحد تجعلك تخسر نفسك.
إن الله فوق رقاب العباد، والحقوق عنده محفوظة، والظلم وإن طال عمره لا يكون أقوى من عدل الله.
وإذا أراد الله لك خيرًا، فلن يستطيع أحد أن يمنعه عنك، وإذا أراد لك طريقًا إلى النجاح، فلن تستطيع عثرة واحدة أن تغلقه. قد يتأخر الوصول، وقد تتغير الطرق، وقد تخسر أشياء كنت تظن أنك لا تستطيع العيش بدونها، لكنك في النهاية ستدرك أن تدبير الله كان أرحم وأوسع من تدبير البشر.
لذلك، إذا ظلمك أحد، فلا تنكسر، وإذا أساء إليك أحد، فلا تفقد أخلاقك، وإذا حاول أحدهم أن يسقطك، فلا تتوقف.
ارفع رأسك، وثق بالله، واعمل، وواصل طريقك؛ فربما كان وراء العثرة طريق، ووراء الظلم نصر، ووراء إغلاق الأبواب أبواب أخرى يفتحها الله لك، حتى تصل إلى المكان الذي أراده لك، لا المكان الذي أراد لك ظالمك أن تبقى فيه.



