بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا كصفحة بيضاء، وأرضٍ تستقبل كل بذرة تُلقى فيها؛ فإذا كانت البذرة صالحة نبتت وأثمرت خيراً، وإذا كانت سيئة ظهرت آثارها في المستقبل. ومن هنا تبدأ أهمية التربية في تأسيس شخصية الإنسان، ولا سيما في السنوات الأولى من عمره، حيث تتشكل كثير من صفاته النفسية وسلوكه وتوجهاته وطريقة تعامله مع الآخرين.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، وهذا يبين بوضوح أثر الأسرة والتنشئة في تكوين شخصية الأبناء.
فالطفل لا يتعلم بالكلام فقط، وإنما يتعلم مما يراه أمامه. فإذا رأى الصدق تعلّم الصدق، وإذا رأى الاحترام تعلّم الاحترام، وإذا عاش في بيئة يسودها التسامح والمحبة، نشأ محباً للآخرين، أما إذا اعتاد على الخصومة والصراخ والتعصب، فقد يحمل هذه السلوكيات معه إلى مراحل حياته المختلفة.
ومن المؤسف أن الأسرة في هذا العصر لم تعد تؤدي دورها التربوي كما كانت في السابق، بسبب كثرة المشاغل، وتسارع الحياة، والانشغال بوسائل التواصل والتقنية، فأصبح الأبناء يتلقون أفكارهم وسلوكياتهم من مصادر متعددة، بعضها قد لا يتناسب مع قيم الأسرة والمجتمع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للدور التربوي للأسرة، فلا يكفي أن نوفر لأبنائنا الطعام والملبس والتعليم، بل علينا أن نبني الإنسان من الداخل، وأن نغرس فيه الأخلاق والقيم والرحمة والصدق والأمانة وتحمل المسؤولية.
كما أن من الظواهر التي تحتاج إلى معالجة اتساع الأنانية والنزعة الفردية، حيث أصبح البعض يقدم مصلحته الشخصية على حساب الأسرة والمجتمع، بينما التربية الصحيحة تعلم الإنسان معنى الإيثار والعطاء، وأن الحياة لا تقوم على الأخذ وحده، وإنما تقوم على التعاون والتراحم.
ومن القضايا المهمة أيضاً أن نربي أبناءنا على احترام الاختلاف؛ فاختلاف الإنسان مع غيره في الرأي أو التوجه لا يعني أن يتحول الاختلاف إلى عداوة أو حقد أو قطيعة. وقد علّمنا أهل البيت عليهم السلام أن الأخلاق الحسنة والرحمة وحفظ كرامة الإنسان من القيم التي ينبغي أن نتحلى بها في تعاملنا مع الجميع.
إن المجتمع لا يحتاج إلى جيل يعرف كيف يختلف فقط، بل يحتاج إلى جيل يعرف كيف يختلف بأخلاق، ويحترم من يختلف معه، ويحافظ على المحبة والوحدة، ولا يجعل اختلاف الرأي سبباً في زرع الكراهية والفرقة بين الناس.
إن بناء شخصية الإنسان مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتشارك فيها المدرسة والمجتمع والمجالس ووسائل الإعلام وغيرها. ولذلك علينا أن نسأل أنفسنا دائماً: ماذا نزرع في نفوس أبنائنا اليوم؟ لأن ما نزرعه فيهم اليوم هو ما سنراه في مجتمعنا غداً.
فلنزرع في أبنائنا المحبة بدل الكراهية، والاحترام بدل الاحتقار، والتسامح بدل الحقد، والإيثار بدل الأنانية، والأخلاق بدل التعصب؛ فبصلاح الإنسان تصلح الأسرة، وبصلاح الأسرة يصلح المجتمع.



