في ذكرى يوم المعلم ,, تزامن رحيل مربٍّ فاضل وأبٍ حنون، ترك في القلوب غصة وفي الديار أثراً ناصعاً لا يمحى. لقد فجعت بلدتنا وعائلتنا برحيل الأستاذ الفاضل أمين أحمد الموسى (أبا أحمد)، الذي كان اسمه عنواناً لصفاته؛ أميناً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، سامي الأخلاق، هادئ الطباع، وبشوش الوجه، إذا حضر حلّت معه البركة والطمأنينة.
لم يكن أبا أحمد معلماً في مدرسته فحسب,,, بل كان معلماً، وأباً، وأخاً، وصديقاً للجميع في ميدان الحياة؛ يوجه الأجيال لطاعة الوالدين وبرهما، ويردد دوماً بصدق ويقين (الخير الذي أنا فيه هو بركة دعاء والديّ، وهو سر توفيقي) كما كان يغرس في أهل بيته وأبنائه الحرص على الصلاة والمحافظة عليها، ممتلئاً بسلامة الصدر وحسن الظن بالجميع، يلتمس الأعذار للناس حتى وإن رأى غير ذلك، متوجاً لطائفه بحنانٍ يشمل الصغير قبل الكبير.
لقد كان رحمه الله رجلاً عصامياً، محباً لأهله وجيرانه، سبّاقاً لفعل الخير. ومن عرف أبا أحمد عرف معنى التواضع الحقيقي؛ فلم يكن يحب المظاهر ولا الفضول من الكلام، بل كان لين الجانب، سهل العشرة، إذا جلست معه لم تملّ حديثه، صاحب ابتسامة ودعابة لطيفة هي ابتسامة المؤمن الوقور الذي لا يجرح أحداً ولا يذكر أحداً إلا بالخير.
وكان رحمه الله حليماً عند الغضب ,, يصلح بين الناس، وكلمته مسموعة لما آتاه الله من الحكمة وسداد الرأي، ولسانه رطبٌ بذكر الله. كان في حيه وعائلته وجماعته كبيراً بقدره ومكانته؛ إن احتاج أحدٌ مشورةً قصده، وإن ضاقت على أحدٍ الدينا قصد بيته، فكان أباً للصغير وأخاً للكبير.
تراه سحابة خير تسعى بالمعروف ,, يخدم الفقراء والمحتاجين، ويدعم المجالس الحسينية، ويوصل الخيرات للبعيد قبل القريب داخل البلدة وخارجها. وكان سنداً وعوناً لمن ضاقت به الظروف؛ يمد يد العطاء بكرمٍ وشهامة ودون مَنٍّ أو إحساسٍ بالفضل، بل بنبلٍ ينمّ عن طيب أصله وصفاء سريرته، فكان لأهله ولبلدته فخراً وسنداً وعزا
إن بعض الرجال يختصهم الله لصفائهم ونبل أخلاقهم ,, ليجازيهم سبحانه عن كل تعبٍ وصبرٍ شهدته حياتهم العصامية، فيحبب فيهم أهل الأرض، حتى تضمهم أطهر البقاع بأمر الله وقدره. فقد شاءت الأقدار أن تعاجله المنية في مدينة رسول الله صل الله عليه وآله، ليختاره المولى عز وجل ليكون مدفنه في أطهر الثرى، جوار الرسول الأعظم وآله الأطهار، فهنيئاً له هذا الجوار المبارك وهذه الشفاعة بإذن الله.
رحل أبا أحمد بجسده ,, لكن بقيت أفعاله العظيمة وسمعته الطيبة ودعاء الناس له، وهذا والله هو الرصيد الحقيقي. وإننا إذ نعزي أنفسنا وعائلة الفقيد الكريمة في هذا المصاب الجلل، نسأل الله أن يربط على القلوب بالصبر والسلوان. ونحن على يقين بأن غراس الخير التي زرعها لن تنقطع، ففي أبنائه الكرام "خير خلف لخير سلف"، يسيرون على نهجه ويحملون طيب أثره.
وما من مصيبة تنزل بالقلب إلا وتتبعها سكينة التسليم ولطف القدير,, فالمؤمن الحقيقي يعلم يقيناً أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن الفراق في الدنيا إنما هو فراق مؤقت يُرجى بعده اجتماعٌ سرمدي في دار كرامته
إن الأثر الطيب للراحلين لا يزول بمواراتهم الثرى,, بل تظل كشعلة مضيئة تنير مسالك من خلفهم؛ فالعمل الصالح، والسيرة العطرة، والدعاء الصادق من ولد صالح أو محب وفيّ، كلها أسباب ترفع درجات الفقيد عند بارئه وتعلي منزلته.
رحم الله عزيزنا ( أمين الموسى ) "أبا أحمد " بواسع رحمته وجعل قبره روضة ونوراً، وأسكنه الفردوس الأعلى مع محمد وآله الطاهرين.




