بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
إن الصفح عن الخطأ من مكارم الأخلاق، ودليل على سمو النفس وقوة الشخصية، فالإنسان النبيل هو الذي يستطيع أن يتجاوز الإساءة، ويضبط غضبه، ويمنح الآخرين فرصة لمراجعة أنفسهم وإصلاح أخطائهم. وقد حثّنا الله سبحانه وتعالى على العفو والإحسان، فقال في كتابه الكريم:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).
ولكن، هل يعني العفو أن نتسامح مع كل إساءة مهما تكررت؟ وهل ينبغي أن نستمر في الصفح عمن يتعمد إيذاءنا، حتى يصبح تسامحنا سبباً في تماديه، ويظن أن حقوق الآخرين وكرامتهم أمر يمكن تجاوزه دون حساب أو موقف رادع؟
إن التسامح قيمة أخلاقية عظيمة، لكنه لا يعني الاستسلام للإساءة، ولا القبول باستمرار الظلم. فهناك فرق بين إنسان يخطئ ثم يندم ويعتذر ويسعى إلى إصلاح خطئه، وبين إنسان يكرر الإساءة في كل مرة، مطمئناً إلى أن الآخرين سيعفون عنه، مهما فعل. فالأول يستحق أن نمنحه فرصة جديدة، أما الثاني فيحتاج إلى موقف واضح يضع حداً لتجاوزاته.
وقد وضع القرآن الكريم منهجاً متوازناً يجمع بين العفو والعدل، فقال تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: 40).
إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ يلفت انتباهنا إلى أن العفو يرتبط بالإصلاح، فلا يكون وسيلة لتشجيع المسيء على الاستمرار في أخطائه، ولا مبرراً لترك حقوق الناس تضيع. فالعفو الذي يدفع الإنسان إلى التوبة وتصحيح سلوكه فضيلة، أما التساهل الذي يجعله يتمادى في إيذاء الآخرين، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالفرد والمجتمع.
ومن هدي أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، ما ورد في نهج البلاغة من وصاياه التي تدعو إلى إصلاح النفس ومحاسبتها، ومنها قوله في الحكمة المأثورة: «أَعِنْ أَخَاكَ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ». فالمحبة الصادقة لا تعني تبرير الأخطاء أو مجاملة المخطئ على حساب الحق، وإنما تعني نصحه وإرشاده ومساعدته على التخلص من السلوك الذي يسيء به إلى نفسه والآخرين.
ومن هنا، ينبغي أن ندرك أن الحزم لا يتعارض مع التسامح، كما أن العفو لا يعني الضعف. فقد يكون من الحكمة أن ننصح المسيء ونحاوره، فإذا لم يستجب واستمر في تجاوزاته، وجب وضع حدود واضحة في التعامل معه، والابتعاد عنه عند الحاجة، والمطالبة بالحقوق بالطرق المشروعة. فليس من العدل أن يتحمل المظلوم الأذى في كل مرة، بينما يواصل المسيء تصرفاته دون مراجعة أو تغيير.
كما يجب على من يخطئ في حق الآخرين أن يفهم أن الاعتذار الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتغيير السلوك ورد الحقوق والامتناع عن تكرار الإساءة. فليس كل من سكت عنك عاجزاً عن الرد، وليس كل من سامحك مقتنعاً بأنك على صواب؛ فقد يعفو الإنسان حفاظاً على أخلاقه، وتجنباً للخصومة، لكنه لا يقبل أن يتحول عفوه إلى وسيلة يستغلها الآخرون للتمادي عليه.
إن المجتمع السليم لا يقوم على الانتقام، كما لا يقوم على التساهل مع الظلم، وإنما يقوم على الرحمة والعدل، واحترام الكرامة الإنسانية، ومعالجة الأخطاء بما يحقق الإصلاح ويحفظ الحقوق. فحين يكون العفو سبباً في إصلاح المخطئ، فإنه من أفضل الأخلاق، وحين يصبح التهاون سبباً في استمرار الضرر، فإن الحزم المسؤول يصبح ضرورة.
وفي الختام، علينا أن نعرف متى نعفو ومتى نضع حداً للإساءة؛ فسامحوا من يسعى إلى إصلاح نفسه، وافتحوا أبواب التوبة أمام من يندم على خطئه، ولكن لا تسمحوا لأحد أن يتخذ من طيبة قلوبكم وسيلة للتمادي في ظلمكم. فالتسامح لا يعني التنازل عن الكرامة، والعفو لا يمنح المسيء حصانة من نتائج أفعاله. إن أخلاق المؤمن تجمع بين رحمة القلب وقوة الموقف، وبين الصفح عند القدرة والحزم حين تقتضي الحكمة حماية الحقوق وردع الظلم.



