بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
ليست الصداقة مجرد لقاءات عابرة أو ضحكات تجمع الأصدقاء، بل هي علاقة تترك أثرها العميق في أخلاق الإنسان وسلوكه وتفكيره ومستقبله. فكثيراً ما يبدأ طريق الصلاح بصديق صالح، كما قد تكون بداية الانحراف رفقة سوء تجرّ صاحبها إلى ما لا تحمد عقباه. ومن هنا تبرز أهمية اختيار الصديق، ولا سيما في مرحلة المراهقة التي تتشكل فيها شخصية الإنسان، وتتسع فيها رغبته في الاستقلال وإثبات الذات.
إن الشاب في هذه المرحلة قد يتأثر بأصدقائه أكثر مما يتأثر بالنصائح التي يسمعها من أسرته، فيقلّد تصرفاتهم، ويتبنى أفكارهم، وربما يندفع إلى سلوكيات خاطئة رغبةً في إرضائهم أو خوفاً من أن يُتهم بالضعف أو الاختلاف عنهم. وهنا تكمن الخطورة؛ فليس كل من يضحك معك يحب لك الخير، وليس كل من يرافقك يستحق أن تمنحه ثقتك، فالصديق الحقيقي هو الذي يحفظ كرامتك، ويصون سرك، وينصحك إذا أخطأت، ويقف إلى جانبك في الشدائد، ولا يدفعك إلى معصية أو تصرف يسيء إلى دينك وأخلاقك ومستقبلك.
وقد حذّرنا القرآن الكريم من عاقبة رفقة السوء، فقال تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ (الفرقان: 28). إنها حسرة الإنسان حين يكتشف متأخراً أن بعض العلاقات التي ظنها مصدر سعادة كانت سبباً في ضياع طريقه. وقال سبحانه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67)، وفي ذلك تنبيه إلى أن الصداقة التي لا تقوم على الخير والتقوى قد تنقلب يوم القيامة إلى ندم وعداوة.
وقد أكدت روايات أهل البيت عليهم السلام أهمية التروي في اختيار الأصدقاء. ومن الحكم المروية عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل الذي يرى لنفسه». وهي كلمة تضع أمامنا معياراً مهماً للصداقة؛ فالصديق الصادق لا يرضى لك ما يضرّه، ولا يتمنى لك ما يسيء إليه، بل يحب لك الخير كما يحبه لنفسه.
ومن وصايا الإمام جعفر الصادق عليه السلام في اختيار الأصحاب، ما رُوي عنه في الحث على اختبار الصديق في مواقف متعددة، منها الغضب، والمال، والسفر، لمعرفة حقيقة معدنه؛ لأن الصداقة لا تُقاس بكثرة الكلام وجمال الوعود، وإنما تظهر حقيقتها عند المواقف والشدائد.
أيها الآباء والأمهات، إن أبناءكم في مرحلة المراهقة بحاجة إلى الاحتواء والحوار والثقة، لا إلى التوبيخ المستمر أو التضييق الذي يدفعهم إلى البحث عن بديل خارج الأسرة. اقتربوا منهم، تعرّفوا إلى أصدقائهم، واستمعوا إلى مشكلاتهم، ووجّهوهم بالحكمة والقدوة الحسنة، وعلّموهم أن رفض الخطأ ليس ضعفاً، وأن الابتعاد عن رفقة السوء شجاعة تحمي الإنسان ولا تنتقص من قدره.
وعلى الشباب أن يدركوا أن العمر أمانة، وأن المستقبل لا يُبنى بالتقليد الأعمى أو مجاراة الآخرين في أخطائهم. فلا تجعل رغبتك في كسب صديق سبباً في خسارة أخلاقك، ولا تسمح لأحد أن يقودك إلى طريق تندم عليه سنوات طويلة. اختر من يعينك على النجاح، ويشجعك على العلم والعمل، ويذكّرك بالله، ويحترم والديك والناس، ويكون وجوده في حياتك سبباً في ارتقائك لا في تراجعك.
إن الصديق الصالح نعمة تستحق الشكر والمحافظة عليها، أما صديق السوء فقد يكون باباً لمشكلات تبدأ صغيرة ثم تتسع حتى يصعب تداركها. لذلك، أحسن اختيار من تصاحب، فإن بعض الأصدقاء يتركون في حياتك أثراً جميلاً لا يمحوه الزمن، وبعضهم يتركون جراحاً لا تُنسى.
وفي الختام، تذكّروا أن الصداقة ليست بكثرة الأصحاب، بل بجودة من نختارهم، وأن السعادة الحقيقية لا تتحقق بمرافقة كل من حولنا، وإنما بصحبة من يأخذ بأيدينا نحو الخير والنجاح والاستقامة. فاختر صديقك بعقلك وأخلاقك، لا بمظاهر الناس وكثرة ضحكاتهم؛ لأن رفيق اليوم قد يكون شريكاً في صناعة مستقبلك، فاجعل اختيارك خطوة نحو حياة كريمة مطمئنة.



