كلمة الوجيه ليست لقبًا يُمنح، ولا صفةً تُعلَّق على الصدور، ولا اسمًا يُطلقه الإنسان على نفسه متى ما شاء. فالوجاهة ليست ادّعاءً، بل موقع يُفرض بالفعل والموقف، لا بالكلام ولا بالصور ولا بالأسماء.
الوجيه في معناه الحقيقي هو ذاك الرجل الذي تتوجّه إليه الناس قبل أن يتوجّه هو إليهم، ويقصدونه ثقةً بعدله، لا خوفًا من نفوذه، ولا طمعًا في مصلحته. هو من يُعرف بين الناس قبل أن يعرّف نفسه، ومن يُشهد له قبل أن يشهد لنفسه.
والوجيه الحقيقي هو ذاك الذي ينتخبه أبناء البلد والمجتمع انتخابًا معنويًا صادقًا، لا بقرارٍ ذاتي ولا بتسميةٍ إعلامية، وإنما بمواقفه النبيلة والمشرّفة في خدمة الناس.
انتخابه يكون في القلوب قبل المجالس، وفي الثقة قبل الألقاب، لأنه أثبت بالفعل أنه حاضر عند الحاجة، ثابت عند الشدائد، وعادل في تعامله مع الجميع.
الوجيه هو من يفتح ديوانيته للناس كافة، لا ينتقي وجوههم، ولا يزنهم بأرصدتهم، ولا يسأل عن أسمائهم قبل أن يسمع مظالمهم.
يسعى لقضاء الحوائج، ويصلح ذات البين، ويطفئ الفتن قبل أن تتسع، ويقف مع المظلوم ولو لم يكن من معارفه أو دائرته الضيقة.
الناس عنده سواسية؛ لا يفرّق بين غني وفقير، ولا بين قريب وبعيد، ولا بين صاحب اسم ومن لا اسم له.
فالعدل عنده مبدأ، وخدمة الناس واجب، لا منّة ولا مصلحة.
لكن المؤلم في زمننا هذا أن اختلط الحابل بالنابل، وأصبح كل من ظهر على الساحة، أو امتلك اسمًا أو صورة أو علاقة، سمّى نفسه وجيهًا، دون أن يقدّم للبلد أو للمجتمع شيئًا يُذكر.
وجاهة بلا فعل، وألقاب بلا أثر، وأسماء تتصدّر المشهد وهي خاوية من المعنى.
الأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء لا يخدمون إلا فئة محددة:
صديقًا مقرّبًا، أو صاحب مصلحة، أو من يُرجى منه نفع.
أما الفقير، والضعيف، والغريب، ومن لا سند له… فلا وجيه له ولا نصير.
وهنا تتحوّل الوجاهة من خدمة المجتمع إلى أداة تمييز، ومن إصلاح ذات البين إلى تجارة علاقات، ومن مسؤولية أخلاقية إلى واجهة اجتماعية فارغة، تُزيَّن بالشعارات وتُفرغ من المضمون.
الوجيه الحقيقي لا يفتح بابه لمن يعرف فقط، ولا يغلقه في وجه من يجهل.
المعروف عنده ليس من “يتمصلح” منه، بل من يحتاج إليه.
والمسافة الاجتماعية لا تعني عنده شيئًا إذا كان الحق واضحًا والظلم بيّنًا.
أما من يجعل الوجاهة سلّمًا للشهرة، أو غطاءً للمحاباة، أو عنوانًا بلا تضحية ولا عدل، فهو ليس وجيهًا، وإن كثر المادحون، وتصدّرت صوره، وتردّد اسمه في المجالس.
فالوجاهة مسؤولية لا ادّعاء،
وموقف لا مظهر،
وخدمة لا شعار.
الخاتمة
إن الوجاهة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور، ولا بحجم الحضور في المجالس، ولا بتكرار الأسماء في المنصات، بل تُقاس بميزان العدل، وبحجم الألم الذي خُفِّف، وبعدد القلوب التي أُعيد لها حقها وكرامتها.
فالوجيه الذي لا يشعر بوجع الناس، ولا يسمع أنين المظلوم، ولا يتحرك إلا إذا كان في الأمر مصلحة شخصية، هو عبء على المجتمع لا ركيزة له.
المجتمعات لا تنهض بالمسميات، بل بالأفعال، ولا تُحفظ بالادّعاءات، بل بالمواقف الصادقة. وحين تتحول الوجاهة إلى قناع اجتماعي، أو وسيلة انتقاء، أو أداة تلميع، فإنها تفقد معناها، وتتحول من قيمة جامعة إلى سبب للتفريق والاحتقان.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس غياب الوجهاء، بل تزوير مفهوم الوجاهة، حين يُقدَّم المتفرج على أنه صاحب موقف، ويُرفع من لم يخدم الناس يومًا إلى مقام من ضحّى وسعى وأصلح. وهنا تُظلم القيم، ويُهمَّش الصادقون، ويُفتح الباب أمام فراغ أخلاقي خطير.
فالوجاهة، في أصلها، تكليف لا تشريف، وأمانة لا مكسب، ومسؤولية ثقيلة لا يتصدى لها إلا من جرّد نفسه من الأهواء، وقدّم الناس على نفسه، والحق على العلاقات، والعدل على المجاملة. ومن لم يحتمل هذا الحمل، فالأجدر به أن يبتعد عن اللقب، احترامًا للمعنى، وصونًا للمجتمع.
ويبقى المعيار واضحًا لا لبس فيه:
من كان مع الناس في أزماتهم، كان وجيهًا في أعينهم،
ومن غاب عنهم في شدّتهم، فلن تصنع له الألقاب وجاهة،
ولو اجتمعت له الأسماء والمظاهر كلّها.




التعليقات 1
1 ping
محمد عبدالله العيسى
2026-01-29 في 4:15 م[3] رابط التعليق
مقال جميل
شكراً لك أستاذ صالح