جاءت الشريعة الإسلامية لتقيم ميزان العدل بين الناس، وتحفظ الحقوق، وتصون الكرامات، فجعلت العدل أساس التعامل، وحرّمت كل صور الظلم والبخس والفساد، لما لها من آثار مدمّرة على الأفراد والمجتمعات.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
(سورة الأعراف: 85)
فهذه الآية الكريمة جاءت جامعةً مانعة، تنهى عن بخس الحقوق صغيرها وكبيرها، كما تنهى عن الفساد بكل صوره وأشكاله. فالبخس لا يقتصر على المال وحده، بل يشمل الجهد، والكلمة، والكرامة، والإنصاف في الحكم، وأداء الأمانة في كل موقع من مواقع المسؤولية.
وقد أكّد أهل البيت عليهم السلام هذا المبدأ في رواياتهم، لما له من أثر عظيم في صلاح الفرد والمجتمع. رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال:
«الظلم يزلّ القدم، ويزيل النِّعَم، ويُهلك الأُمم».
فالبخس لونٌ من ألوان الظلم، وإذا شاع بين الناس كان سببًا في زوال البركة، وفساد العلاقات، واضطراب الأمن الاجتماعي.
كما رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال:
«من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده»،
وفي هذا تحذيرٌ بالغ من التعدي على حقوق الآخرين، مهما صغرت أو خفيت، لأن الله سبحانه لا يرضى بالظلم، ولا يتركه بلا حساب.
إنّ بخس الناس أشياءهم هو بوابة الفساد الأولى؛ لأن الظلم إذا سُمح له بالانتشار، أفسد النفوس، وأشعل الأحقاد، وزعزع الثقة بين أفراد المجتمع. وما من مجتمعٍ تساهل مع الظلم إلا كان ذلك مقدمة لانهياره، مهما بدا في ظاهره قويًا أو متماسكًا.
كما أن الفساد في الأرض لا يكون دائمًا صريحًا ظاهرًا، بل قد يتسلل في صورة استغلال نفوذ، أو تمييز غير عادل، أو سكوت عن الباطل، وكلها صور نهى عنها الدين، وحذّر منها أهل البيت عليهم السلام في أقوالهم وسيرتهم.
خاتمة:
إنّ الالتزام بقوله تعالى: ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، كما أكّدته روايات أهل البيت عليهم السلام، ليس شعارًا يُرفع، بل منهج حياة يُترجم إلى سلوكٍ عملي وعدلٍ في الموقف والكلمة. فبالعدل تعمر الأوطان، وبردّ الحقوق تُحفظ الكرامات، وبمحاربة الفساد يُكتب للمجتمعات الاستقرار والطمأنينة.
والله وليّ التوفيق



